
يقول الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله: «الحياء مشتق من الحياة، والقلب على حسب حياته يكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح».
من هذه القاعدة الإيمانية، نستحضر لقطة قرآنية خلّدها الذكر الحكيم لتكون دستوراً خالداً للحياء والستر في زمن تكالبت فيه الفتن وبرزت قيم جديدة قبل الأجساد.
عندما وقفت ملكة سبأ أمام صرح سليمان -عليه السلام- الممرّد من قوارير، سجل القرآن موقفاً يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يؤصل لفطرة الستر:
﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا﴾.
العلماء يؤكدون أن هذا المشهد ليس عرضاً للزينة، بل استثناءً اضطرارياً نتيجة مقتضى الحاجة. هنا ندرك أن المرأة العفيفة قد تُفاجأ أو تُضطر، لكنها لا تتخذ من العري منهجاً، ولا من التبرج هوية. الرسالة لكل مسلمة في الغرب واضحة: الستر هوية أصيلة تسبق الشرائع، وهو نداء الفطرة الذي لم يتغير منذ آدم وحواء.
نعيش اليوم في قلب صروح زجاجية خادعة: منصات التواصل الاجتماعي ومصانع الموضة العالمية تُجبر المرأة على كشف جسدها بحجة التحرر. الفرق الجوهري أن بلقيس كشفت ساقها خوفاً من بلل الماء وعن غير قصد، بينما يُراد للمرأة المعاصرة كشف جسدها طلباً للإعجاب أو لتحقيق مكاسب تجارية ومادية.
لقد تحوّل الجسد في الفلسفة المادية الغربية إلى سلعة، بينما يرفعه الإسلام ليكون أمانة وحرماً. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».
هذا الربط بين التوحيد والحياء يؤكد أن أي خدش في ثوب الحياء هو خدش في أصل الإيمان.
في بيئة تنصهر فيها القيم، يصبح الحياء خط الدفاع الأخير. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «إن الحياء والإيمان قُرنا جميعاً، فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر».
التساهل في ستر الجسد يقود إلى التساهل في ستر الروح وتهاوي القيم الكبرى. كما يرى الفضيل بن عياض أن من علامات الشقاء: قسوة القلب، وجُمود العين، وقلة الحياء.
الجالية المسلمة اليوم مطالبة بتقديم نموذج الجمال المستور؛ فالستر ليس انغلاقاً، بل ترفع عن أن يكون الجسد مشاعاً للنظر. حياء المرأة يفرض احترامها على الآخرين، ويحوّلها من موضوع للنظر إلى ذات مقدّرة لعقلها ودينها.
في قصة ملكة سبأ، لحظة كشف الساق العفوية أعقبها إدراك الحقيقة والهداية:
﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. هذا التسلسل يوحي بأن النفس التي تملك بقية من حياء هي الأقرب للإيمان.
النبي صلى الله عليه وسلم حذر من فتن آخر الزمان بقوله: «صنفان من أهل النار لم أرهما… ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات…». هذا الوصف يلمس واقع اليوم: دور الأزياء التي تستر جزءاً لتفضح جزءاً أكثر فتنة. هنا، على المسلمة أن تدرك جوهر الستر الشرعي الذي لا يصف ولا يشف، بل يحفظ كرامتها وحرّيتها.
الحياء ليس ضعفاً، بل قوة إرادة. هو القدرة على قول «لا» لتيار جارف يغتصب الفطرة. يقول العلماء: «من كُسي بالحياء، لم ير الناس عيبه». المرأة التي تعتز بحجابها وحيائها في باريس أو لندن أو ميلانو تمارس أعلى درجات الحرية: حرية التحرر من عبودية نظرة الرجل وقوانين السوق.
التحدي الحقيقي اليوم ليس في مواكبة صيحات الموضة، بل في الحفاظ على الوقار القرآني. موقف ملكة سبأ عبرة بليغة؛ العظمة لا تكمن في كشف المستور، بل في تعظيم ما أمر الله بستره. الحياء المتجذر في الفطرة يرفع صاحبته ويمنحها نوراً يمشي به بين الناس، ويؤكد أن العودة إلى رحاب الستر ليست تراجعاً، بل انتصار للروح والفطرة على الابتذال.








