يُعدّ سرطان البروستاتا من أخطر الأمراض الخاصة بالرجال وأكثرها انتشاراً في العالم، ليس فقط لطبيعته السرطانية، بل لكونه مرضاً صامتاً يتسلل إلى الجسد دون ضجيج، وقد يستقر لسنوات طويلة قبل أن يُكتشف. هذا الصمت هو أخطر ما فيه، لأنه يجعل كثيراً من الرجال يكتشفون المرض في مراحل متقدمة، رغم أن الشفاء منه يكون مرتفعاً جداً إذا تم الكشف عنه مبكراً.
البروستاتا غدة صغيرة تقع أسفل المثانة، وتلعب دوراً أساسياً في الجهاز التناسلي الذكري، حيث تسهم في إنتاج السائل المنوي. ومع التقدم في السن، تصبح هذه الغدة أكثر عرضة للاضطرابات، وعلى رأسها السرطان، خصوصاً بعد سن الأربعين، حيث ترتفع نسب الإصابة بشكل تدريجي.
ما يجعل سرطان البروستاتا خطيراً هو أنه في مراحله الأولى غالباً لا يُسبب أي أعراض تُذكر. وقد يعيش الرجل سنوات وهو مصاب دون أن يشعر بأي خلل، ليتم اكتشاف المرض صدفة أثناء فحص روتيني. ومع تطور الحالة، تبدأ بعض العلامات في الظهور، مثل صعوبة التبول، ضعف تدفق البول، كثرة التبول ليلاً، آلام أسفل الظهر أو الحوض، وأحياناً وجود دم في البول أو السائل المنوي. غير أن هذه الأعراض قد تتشابه مع تضخم البروستاتا الحميد، وهو مرض شائع وغير سرطاني، ما يجعل التشخيص الطبي الدقيق أمراً ضرورياً.
ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن كل سرطان بروستاتا قاتل. في الواقع، هناك أنواع بطيئة النمو قد لا تحتاج علاجاً فورياً، ويكتفي الأطباء بمراقبتها طبياً. بينما توجد أنواع أخرى أكثر عدوانية تتطلب تدخلاً علاجياً سريعاً. ولهذا لا يُقاس الخطر بوجود السرطان وحده، بل بسرعة نموه وانتشاره.
العمر يبقى العامل الأول في الإصابة، لكن العامل الوراثي يلعب دوراً مهماً أيضاً. فوجود إصابة لدى الأب أو الأخ، خصوصاً في سن مبكرة، يرفع احتمال الإصابة، ويجعل الفحص المبكر ضرورة وليس خياراً. كما تشير أبحاث طبية إلى أن نمط الحياة غير الصحي، مثل قلة النشاط البدني، السمنة، الإفراط في تناول اللحوم الحمراء والدهون الحيوانية، قد يزيد من مخاطر الإصابة، في حين أن النظام الغذائي المتوازن، الغني بالخضر، والطماطم، والسمك، وزيت الزيتون، إلى جانب ممارسة الرياضة، قد يُسهم في الوقاية أو إبطاء تطور المرض.
الكشف المبكر هو السلاح الأقوى في مواجهة هذا المرض. ويعتمد التشخيص أساساً على فحص دم يُعرف بـPSA، إلى جانب الفحص السريري، وقد تُجرى الخزعة عند الاشتباه. هذه الفحوصات البسيطة قادرة على إنقاذ حياة الرجل إذا أُجريت في الوقت المناسب، ويُنصح بإجرائها ابتداءً من سن 45، أو من سن 40 في حال وجود تاريخ عائلي مع المرض.
أما العلاج، فقد شهد تطوراً كبيراً خلال السنوات الأخيرة. وتتعدد الخيارات بين المراقبة الطبية، والجراحة، والعلاج الإشعاعي، والعلاج الهرموني، وأحياناً العلاج الكيميائي، حسب مرحلة المرض وحالة المريض. ولم تعد المضاعفات الجنسية أو النفسية حتمية كما كان يُعتقد في الماضي، إذ سمح التقدم الطبي بتقليصها بشكل كبير، مع التأكيد على أهمية الدعم النفسي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من العلاج.
ورغم كل هذه المعطيات، يبقى أكبر خطر يهدد الرجال هو الخوف من الفحص، والخجل من الحديث عن صحة البروستاتا. فثقافة الصمت هي الحليف الأول للمرض، بينما الوعي هو العدو الحقيقي له. الرجولة لا تعني تجاهل الألم أو الهروب من الفحص، بل تعني تحمل المسؤولية تجاه الجسد والحياة والأسرة.
سرطان البروستاتا ليس حكماً نهائياً، بل مرض يمكن التعايش معه وعلاجه والشفاء منه في نسب عالية جداً إذا تم اكتشافه مبكراً. والرسالة الأهم التي يجب أن تصل لكل رجل هي أن الوقاية تبدأ بالمعرفة، والمعرفة تبدأ بخطوة بسيطة: الفحص في الوقت المناسب.







