
يثير ما يُتداول بشأن مسار الطريقة القادرية البودشيشية في المرحلة الراهنة نقاشًا متصاعدًا، يصل إلى حدّ توصيف ما يجري بـ“ سرقة رمزية ” للطريقة من حيث تحويل وظيفتها ووجهتها.
فالوثيقة الرسمية المرتبطة بإحداث كيان ذي طابع قانوني وتجاري خارج الإطار الوطني، تحمل اسم الطريقة وتستثمر رمزيتها، تدفع إلى التساؤل: هل نحن أمام تطوير مشروع تربوي، أم أمام استحواذ تدريجي على الرأسمال الرمزي للطريقة وتوجيهه نحو منطق استثماري؟
إن الحديث عن “ السرقة ” هنا لا ينصرف إلى ملكية مادية فحسب، بل إلى تحويل المعنى والوظيفة: من مسار تزكوي قائم على تهذيب النفس، إلى بنية قابلة للتوظيف في سياقات تنظيمية وتجارية عابرة للحدود ، وهو ما يطرح إشكالًا عميقًا حول حدود الشرعية في التصرف في الإرث الروحي المشترك للمريدين .
فهذا الإرث ليس ملكًا فرديًا يُستأثر به، ولا مشروعًا خاصًا يُدار بمنطق الهيمنة، بل هو ميراث جماعي حيّ، أسهم في بنائه أجيال من المريدين والمحبين. ومن ثمّ، لا يمكن التعامل مع هؤلاء المريدين وكأنهم “قطيع” يُساق أو يُوجَّه وفق إرادة شخص واحد، يفعل بهم ما يشاء دون مساءلة أو اعتبار لعقولهم وكرامتهم وحقهم في الفهم والمشاركة.
كما أن إدراج هذا الكيان ضمن منظومات قانونية أجنبية، وما قد يترتب عن ذلك من التزامات مالية وتنظيمية، يعزز هذا الإحساس بوجود نوع من “النزع” أو “التحويل” الذي قد يُفهم، كوجه من وجوه الاستيلاء الرمزي على الطريقة.
ويزداد هذا الإشكال تعقيدًا مع توسّع مجالات الاشتغال إلى أنشطة لا تنتمي إلى الحقل التربوي الروحي، الأمر الذي يفرض ضرورة التوضيح الصريح: هل ما يزال المشروع محافظًا على جوهره، أم أننا أمام تحوّل يعيد تعريف الطريقة خارج سياقها الأصلي؟
كما أن هذا التوجه يثير إشكالًا مرتبطًا بـمدى الانسجام مع المرجعية الدينية الوطنية، وفي مقدمتها إمارة المؤمنين ، باعتبارها الإطار الضامن لوحدة الحقل الديني بالمغرب. فإحداث كيان يحمل اسم الطريقة ويتحرك خارج هذا الإطار، هو تجاوز لهذه المرجعية أو على الأقل ابتعاد عن ضوابطها المؤطرة، بما يطرح تساؤلات مشروعة حول حدود الشرعية في تدبير الشأن الروحي المشترك.
إن التصوف، في جوهره، ليس ملكًا خاصًا يُعاد تشكيله وفق الإرادات الفردية ، بل هو أمانة روحية وجماعية . ومن ثمّ، فإن أي مسار قد يُفهم على أنه “سرقة للمعنى قبل الشكل” يظلّ محل مساءلة فكرية وأخلاقية، تستدعي البيان والوضوح، وصيانة المقصد من كل انزياح.











