سياسةعربية وشرق اوسط

سقوط المرشد — ستة وثمانون عاماً في خدمة ثورة لم تكتمل

في السادس عشر من أبريل عام تسعة وثلاثين وتسعمائة وألف، في أزقة مشهد المكتظة بأصوات الحوزات والمآذن، وُلد علي الحسيني الخامنئي لأسرة متوسطة الحال تشرّبت الفقه واللغة تشرّب الصحراء للمطر. كان أبوه رجل دين محلياً، وكانت أمه من صلب أسرة علمية بارزة، وكان هو الثاني بين ثمانية إخوة، ثلاثة منهم نهجوا نهجه في العلوم الشرعية. لم تكن تلك المدينة المقدسة مجرد مسقط رأس، بل كانت أولى خلايا الشخصية التي ستحكم إيران لأربعة عقود.
منذ صباه الباكر، أظهر الطفل ولعاً حقيقياً بالنص والمعنى، فحفظ القرآن وشرع في دراسة الفقه والأصول والمنطق في حوزات مشهد، قبل أن يرتحل في نهايات الخمسينيات إلى العتبات المقدسة في العراق، حيث النجف وكربلاء ومدارسهما العريقة. هناك درس على أيدي كبار المراجع واكتسب من اللغة العربية ما جعلها لغته الثانية التي يكتب بها ويحاضر، بل ويترجم بها الروايات. وكان لشغفه بالأدب العربي أثرٌ بعيد في تكوينه؛ إذ لم يكن الرجل مجرد فقيه يحفظ المتون، بل كان قارئاً نهماً يعقد جلسات أسبوعية في الشعر والنثر.
غير أن ما شكّل خامنئي السياسي لم يكن الكتب وحدها؛ إذ كان ثمة عالم يتحرك من حوله بعنف وسرعة. في تلك الحقبة التي شهدت صعود جمال عبد الناصر وهيمنته على الوجدان العربي والإسلامي، وجد الشاب الإيراني في خطاب السيادة القومية ومناهضة الاستعمار ما يلامس أعمق أشواقه. وفي الوقت ذاته، كانت أفكار سيد قطب في مجتمع الإسلام الثوري تشق طريقها إلى الحوزات، فاستطاع خامنئي بطريقة نادرة أن يدمج الرجلين في منظومة فكرية واحدة، جمعت بين مناهضة الاستعمار ورؤية الإسلام حركةَ تغيير شاملة.
ومع مطلع الستينيات، كان خامنئي قد خطا خطواته الأولى في مسار المعارضة السياسية لنظام الشاه محمد رضا بهلوي. اعتُقل عام اثنين وستين بسبب مشاركته في اجتماع يدعم القضية الفلسطينية، ثم توالت الاعتقالات لتبلغ ستاً بين عامي ثلاثة وستين وثمانية وسبعين. في غياهب تلك الزنازين، تعرّض للتعذيب والإهانة؛ حلق الجلادون لحيته عنوة وصفعوه على وجهه محاولةً لكسر شوكته، فلم ينكسر، ومضت أيام طويلة في التخفي والنفي الداخلي قبل أن ينبثق كأحد أبرز قادة الثورة الوشيكة.
حين انتصرت الثورة الإسلامية في مطلع تسعة وسبعين وتسعمائة وألف تحت راية روح الله الخميني، كان خامنئي من الصف الأول فيها. تقلّد وزارة الدفاع، ثم أسهم مساهمةً فاعلة في تأسيس الحرس الثوري الإيراني الذي رأى فيه درعاً لحماية النظام الوليد. وخلال أزمة الرهائن الأمريكيين التي امتدت بين تسعة وسبعين وأحد وثمانين، برز كمفاوض محوري. ثم في عام أحد وثمانين، انتُخب رئيساً للجمهورية في توقيت بالغ الحساسية، إذ كانت الحرب مع العراق تلتهم جيلاً بأكمله، وكان المشهد الثوري يرتب أوراقه وسط الدماء.
لكن الأيام لم تمضِ هادئة. في يونيو من ذلك العام الدامي، كادت قنبلة أن تمحو اسم خامنئي من صفحة الأحياء. نجا من محاولة الاغتيال تلك، ثم فُجعت البلاد بعد ساعات قليلة بتفجير مقر قيادة الحزب الجمهوري الإسلامي الذي راح ضحيته ثلاثة وسبعون مسؤولاً. خرج خامنئي من المستشفى ناجياً حين سقط من حوله الكثيرون، فنظر إليه كثيرون منذ تلك اللحظة باعتباره رجلاً كُتب له عمر جديد.
وحين فارق الخميني الحياة عام تسعة وثمانين، جاء خيار مجلس الخبراء ليقع على خامنئي خلفاً له في منصب الولي الفقيه والمرشد الأعلى. ما إن جلس على ذلك الكرسي حتى أخذ يرسّخ سلطته تدريجياً وبصبر منقطع النظير. من موقع المرشد، أصبحت السياسة الخارجية ملفاً لا يُفتح إلا بإذنه، وأصبحت قرارات الحرب والسلم مرهونة بكلمته.
عمل على امتداد ستة وثلاثين عاماً مع ستة رؤساء، تراوحوا بين المعتدل والمتشدد، من خاتمي إلى رئيسي. وحين حاول محمد خاتمي الإصلاح والانفتاح على الغرب، دعمه خامنئي حتى حدود لم تهدد الركائز الجوهرية للنظام، ثم وقف بالمرصاد لكل تجاوز. وحين فاز أحمدي نجاد في انتخابات مثيرة للجدل عام تسعة وألفين، خرج الملايين في الحركة الخضراء رافضين النتائج بهتافات تطالب بالإصلاح، فأصدر المرشد أمره بإخماد الاحتجاجات بالقوة، وسقط قتلى واعتُقل آلاف.
ثم جاءت موجة أخرى عام تسعة عشر وألفين، حين تحولت احتجاجات اقتصادية بدأت بالغلاء والانهيار النقدي إلى هتافات تطعن في شرعية المرشد بالاسم، ترددت في الشوارع شعارات من قبيل «الموت لخامنئي» و«لا غزة لا لبنان روحي فداء إيران»، في إشارة مباشرة إلى السخط الشعبي من تمويل محور المقاومة على حساب المواطن الإيراني. وردّ خامنئي بتمييزه العلني بين المحتجين الشرعيين وما وصفهم بعملاء الأعداء، فيما كانت قوات الأمن تتكفل بالباقين.
وبين عامي اثنين وعشرين وثلاثة وعشرين وألفين، اندلعت حركة «امرأة، حياة، حرية» على خلفية وفاة الشابة مهسا أميني في عهدة شرطة الإرشاد، فكانت من أعنف الاحتجاجات في تاريخ الجمهورية الإسلامية، امتدت شهوراً عبر عشرات المدن، مزلزلةً النظام من الداخل. واجهها المرشد كعادته بخطاب التمييز وآليات القمع.
وفي يونيو من خمسة وعشرين وألفين، في خضم حرب الاثني عشر يوماً التي اشتعلت مع إسرائيل، توارى المرشد وانقطع بثه المباشر، وتساقط في الغارات الإسرائيلية مسؤولون أمنيون من الصف الأول، كاشفةً عن اختراق استخباراتي عميق لأجهزة النظام لم يسبق له مثيل.
ثم جاء اليوم الأخير. في مساء العاشر من رمضان، الثامن والعشرين من فبراير ستة وعشرين وألفين، استُهدف المرشد في الضربات الافتتاحية لحرب أمريكية إسرائيلية على إيران. وفي الساعة الخامسة فجراً من اليوم التالي، بث التليفزيون الإيراني النعي الرسمي. كان عمره ستة وثمانين عاماً، وكانت إيران أمام أخطر لحظة في تاريخها منذ انتصار ثورتها قبل نصف قرن.
رحل خامنئي وخلّف وراءه إرثاً متناقضاً كتناقضاته الشخصية ذاتها: رجل قرأ الأدب وترجم الروايات وأسس شبكة إقليمية من الميليشيات، مفكر تأثر بناصر وقطب وحكم بالحديد، مرشد نجا من الاغتيال وعاش حتى لقي الاغتيال. ستة وثمانون عاماً بين مشهد وطهران وبيروت وصنعاء وغزة، أراد بها إقامة مشروع لا يزال أتباعه ومعارضوه يتجادلون حول جوهره، بينما ترتسم على وجه الشرق الأوسط ملامح مرحلة لم يشهدها إلا القليلون

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا