
إذا كان الشباب في كل مجتمع هم نبتة الخير وطاقتها الكامنة، فإن لشبابنا المسلم في إيطاليا وأوروبا وضعاً استثنائياً؛ فهم لا يحملون طاقة الشباب فحسب، بل يحملون أمانة الهوية المركبة في مجتمع متعدد الثقافات. إنهم الجسر الرابط بين قيمهم الأصيلة وبين واقعهم الإيطالي الذي يعيشون تفاصيله يومياً، وهم ليسوا مجرد أرقام في إحصائيات الهجرة، بل هم الفاعل الحضاري الجديد في القارة العجوز.
يركز الخطاب التقليدي غالباً على أن الشباب أمانة سيُسألون عنها، مستشهدين بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عن شبابه فيما أبلاه». لكن في واقعنا الإيطالي المعاصر، السؤال الذي يواجه الشاب ليس فقط فيما أبلى شبابه، بل كيف يحافظ على اتزان فكره وسط خوارزميات الفضاء الرقمي وموجات الانفتاح الإعلامي التي لا تعرف الحدود.
إن الخطر الحقيقي الذي المسه كباحث مهتم ومتابع لشؤون الجالية، ليس في قوة المؤثرات الخارجية، بل في هشاشة المناعة الداخلية وغياب المساحات الآمنة التي تحتضن تساؤلات الشباب بذكاء وعمق، بعيداً عن لغة المنع والتحذير الجافة.
بحكم إقامتي في إيطاليا كصحفي متابعٍ عن كثب لقضايا الهجرة وتحديات الاندماج، أجدني مدفوعاً بمسؤولية الكلمة لأوجه لشبابنا وصية مباشرة: الاندماج لا يعني الذوبان. إن القوة الحقيقية تكمن في قدرة الشاب على أن يكون إيطالياً في انضباطه واحترامه للقوانين، وأصيلاً في تمسكه بهويته وثقافة بلده الأم وتعاليم دينه السمحة.
إنني أدعو شبابنا ليكونوا سفراء حقيقيين ينشرون ثقافة التعايش والمحبة، ويترفعون عن كل ما قد يسيء لصورتهم؛ فاحترام قوانين هذا البلد هو واجب أخلاقي وديني، وهو المدخل الحقيقي لفرض وجودنا في كافة الميادين. كما أحثهم بقوة على الانخراط الفعال في العمل الجمعوي ومنظمات المجتمع المدني، لا سيما تلك الجمعيات التي يشرف عليها مهاجرون من بلدانهم الأصلية، لتعزيز الروابط وتوحيد الجهود. ومن الضروري أيضاً التواصل الدائم مع المراكز الثقافية لتبادل الخبرات وفتح آفاق الحوار، مما يساهم في بناء وعي جمعي متماسك.
وفي هذا السياق، لا يمكنني وصف مدى الفخر الذي يغمرني حين أتابع نجاحات أبنائنا وتخرجهم من أعرق الجامعات الإيطالية في تخصصات الطب والهندسة والقانون؛ فهذه الأفواج المتعلمة هي الرد العملي والأقوى على كل الصور النمطية السلبية، وهي التي ستنقلنا من التفوق الفردي إلى التأثير الجماعي عبر المشاركة السياسية النشطة، ترشيحاً وانتخاباً، لنصنع مستقبلنا بأيدينا كمواطنين قدوة.
لقد علمنا التاريخ الإسلامي أن السن لم يكن يوماً عائقاً أمام الريادة؛ فأسامة بن زيد قاد جيشاً وهو في الثامنة عشرة. واليوم، نرى شباباً في مراكزنا الإسلامية يمتلكون سعة أفق ونضجاً عقلياً يفوق سنهم، لأنهم يتعاملون مع لغتين وثقافتين. هؤلاء هم الذين يحتاجون منا حسن الاستماع لا مجرد إلقاء المواعظ، ليتحول المسجد والمراكز الإسلامية إلى حاضنات للإبداع لا مجرد أماكن للعبادة التقليدية.
ونحن في ظلال شهر رمضان المبارك، نجد أن وجوه الخير في إيطاليا تتسع لتشمل مبادرات شبابية تعكس صورة الإسلام الحضاري. إن انخراط الشاب المسلم في العمل التطوعي الإيطالي، ومشاركته في إفطار عابر للثقافات، هو الاستثمار الحقيقي. رمضان هو الوقت الأمثل لنمنحهم الثقة والمسؤولية، ولنجعلهم هم من يقودون الفعاليات ويطرحون الأفكار، لنضمن تحويلهم من مستهلكين للنصح إلى منتجين للقيمة.
إن حماية شبابنا وبناتنا تبدأ من الإيمان بأنهم شركاء اليوم وليسوا فقط أمل الغد. فبقدر ما نمنحهم من مساحة آمنة للتعبير وفهمٍ يتجاوز التقليد الحرفي إلى الاجتهاد الواعي، بقدر ما نضمن وجود أمة وسطاً، تفتخر بها الجالية، ويحترمها الوطن الذي نعيش فيه.
اللهم احفظ شبابنا وبناتنا، وأنر بصائرهم، واجعلهم منارات للهدى، وسفراء خير لدينهم وقيمهم، وقرة عين لأمتهم ولوطنهم الأصلي، ونافعين لوطنهم الثاني إيطاليا الذي يعيشون فوق أرضه ويستظلون بسمائه.







