
يمثل التاريخ الكلامي الإسلامي ذروة المخاض العقلي الذي أنتجته الحضارة العربية الإسلامية في مواجهة الأسئلة الوجودية والميتافيزيقية الكبرى، وفي قلب هذا المخاض تبرز المواجهة التاريخية بين المعتزلة والأشاعرة كأعمق حوار فكري شهدته الأمة. بدأت الجذور الأولى لهذه الرحلة في مطلع القرن الثاني الهجري بمدينة البصرة، حين انفصل واصل بن عطاء عن حلقة أستاذه الحسن البصري إثر خلاف في حكم مرتكب الكبيرة، فاعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد، ليؤسس منهجاً يقوم على تقديم العقل كأداة حاكمة لفهم النص وتأويله. لم تكن المعتزلة مجرد فرقة دينية، بل كانت ضرورة حضارية للدفاع عن العقيدة أمام الفلسفات الوافدة والمنطق اليوناني، فتبنوا أدوات المنطق ليصوغوا “الأصول الخمسة” التي مثلت دستورهم الصارم. ففي أصل التوحيد، ذهبوا إلى تنزيه مطلق استلزم نفي الصفات الزائدة عن الذات كالعلم والقدرة، معتبرين أن إثبات صفات قديمة بجانب الذات يؤدي إلى “تعدد القدماء”، وهو ما ينافي التوحيد عندهم، فاستدلوا عقلاً بأن الذات والصفة لو تعددتا لتعدد الإله، وبناءً عليه قالوا بخلق القرآن لأن الكلام صوت وحرف وحادث يفتقر إلى محل، واستدلوا من النص بقوله تعالى “الله خالق كل شيء” والقرآن شيء فهو مخلوق.
أما في أصل العدل، فقد انتصر المعتزلة لإرادة الإنسان الحرة، مؤكدين أن العبد هو “الموجد” الحقيقي لأفعاله الاختيارية، مستدلين بآيات مثل “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، ومعتبرين أن العدل الإلهي يقتضي ألا يعاقب الله عبداً على فعل أجبره عليه، فاستحال لديهم أن يكون الله خالقاً للمعاصي. ولتعزيز هذا البناء، خاض المعتزلة في أدق مسائل الفيزياء، فابتكر إبراهيم النظام نظرية “الطفرة” لتفسير الحركة، ووضع أبو هاشم الجبائي نظرية “الأحوال” لتفسير الصفات، وبرز في صفوفهم رجال كأبي الهذيل العلاف والجاحظ والقاضي عبد الجبار، حتى بلغت المدرسة ذروة سطوتها السياسية في عهد الخليفة المأمون، لكن هذه السطوة كانت بداية النهاية بفعل “محنة خلق القرآن” التي خلقت شرخاً بين المدرسة والوجدان الشعبي.
وفي خضم هذا التراجع، برز أبو الحسن الأشعري، الذي قضى أربعين عاماً في كنف الاعتزال تلميذاً للجبائي، قبل أن يقرر الانقلاب على المنهج المعتزلي بعدما رأى عجز العقل المجرد عن الإحاطة بالأسرار الإلهية، لا سيما في “لغز الإخوة الثلاثة” الذي كسر قاعدة وجوب “الأصلح” على الله. لم يعد الأشعري إلى مدرسة النقل المحض، بل أقام مذهباً توفيقياً يستخدم أدوات المعتزلة للدفاع عن عقائد أهل السنة، فأثبت سبع صفات أزلية هي “العلم، القدرة، الإرادة، الحياة، السمع، البصر، الكلام” كمعانٍ قائمة بالذات “لا هي الذات ولا هي غيرها”، مستدلاً بنصوص مثل “أنزله بعلمه” و”وهو بكل شيء عليم”، ومعتبراً أن الذات بلا صفات هي تعطيل للمعبود. ولحل معضلة خلق القرآن، ابتكر الأشاعرة مفهوم “الكلام النفسي” الأزلي، مفرقين بينه وبين الأصوات والحروف المخلوقة التي هي حكايات عن ذلك الكلام.
وفي قضية القدر، رفض الأشاعرة قول المعتزلة بخلق العبد لفعله ورأوا فيه انتقاصاً من قدرة الله الشاملة، مستدلين بقوله “والله خلقكم وما تعملون”، فابتكروا نظرية “الكسب” التي تنص على أن الله يخلق الفعل والقدرة عليه، والعبد يكتسبه بميله وإرادته المقترنة بلحظة وقوعه، ليكون الفاعل الحقيقي هو الله والمسؤول الحقيقي هو العبد. وفيما يخص السببية والفيزياء، أنكر الأشاعرة “الطبائع” الذاتية للأشياء، فقرروا أن النار لا تحرق بطبعها بل الله يخلق الاحتراق “عند” ملامستها، واستدلوا بسلامة إبراهيم عليه السلام في النار كدليل على أن العادة الإلهية قابلة للخرق. هذا الصدام امتد إلى الأخلاق، حيث رأى المعتزلة أن الحسن والقبح عقليان يدركهما العقل بذاته، بينما جزم الأشاعرة بأنهما شرعيان، فالحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع، لأن الله مالك مطلق لا يُسأل عما يفعل.
لقد سادت الأشعرية بفضل عبقرية رجال كالباقلاني والجويني والإمام الغزالي الذي دمج التصوف بالمذهب وفخر الدين الرازي الذي صبغه بالصبغة الفلسفية الكاملة، وبفضل تبني الدول الكبرى لها كالسلاجقة والأيوبيين، لتصبح المذهب الرسمي للمؤسسات العلمية الكبرى كالأزهر والزيتونة. وفي المقابل، تراجع المعتزلة ككيان تنظيمي لكن أفكارهم ظلت حية في المذاهب الزيدية والإمامية، وفي تلافيف الفكر التنويري الحديث الذي يحاول بعث “العقلانية الاعتزالية” لمواجهة جمود القراءات التقليدية. إن الخلاف بين الفريقين لم يكن صراعاً بين حق وباطل بمفهومه البسيط، بل كان حواراً بين “تنزيه الذات” وبين “إثبات القدرة”، وبين “عدل الإله” وبين “مشيئته المطلقة”، وهو الحوار الذي ما زال يشكل العقل المسلم حتى يومنا هذا.







