تعد صلاة التراويح مظهرًا من أجلى مظاهر العبادة في شهر رمضان المبارك، وهي تلك الصلاة التي تجتمع فيها الأمة لتعمر ليلها بالقرآن والقيام، معبرة عن وحدة الشعور وعمق الإيمان. إن أصل هذه الصلاة وسنّيتها يعود إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الصحيحين أنه خرج في جوف الليل فصلى في المسجد، وصلى الناس بصلاته، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم، ولما أصبح قال: “قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تُفرض عليكم”، ومن هنا تقرر أن التراويح سنة مؤكدة، وقد أحيا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه السنة بشكلها الجماعي حين رأى الناس أوزاعًا متفرقين، فجمعهم على قارئ واحد، معتبرًا ذلك من المصالح المرسلة التي تُنظم العبادة وتحفظ هيئتها وتجمع شمل المسلمين خلف إمام واحد في بيوت الله.
إن فضل صلاة التراويح وأجرها يتجلى في قول النبي الكريم: “من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه”، فالمؤمن حين يقف بين يدي ربه في هذه الركعات، مخلصًا لله ومصدقًا بوعده، يرجو أن يخرج من شهره نقيًا من الخطايا كليلة ولدته أمه. وتكمن عظمة هذا الأجر في كونها تجارة رابحة مع الخالق، حيث يتضاعف ثواب النوافل في هذا الشهر الفضيل، وتتحول ساعات الليل إلى محطات للتزود بالتقوى والسكينة والخشوع، وهي فرصة سنوية لتجديد العهد مع الطاعات والابتعاد عن صخب الحياة الدنيا ومشاغلها.
أما فيما يخص الأقوال والآراء الفقهية في عدد ركعاتها، فقد اتسعت فيها مذاهب الفقهاء اتساعًا يعكس مرونة الشريعة ويسرها؛ فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنها عشرون ركعة، استنادًا إلى ما جرى عليه العمل المستقر في عهد الخلفاء الراشدين عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وهو ما دونه أصحاب المذاهب في أمهات كتبهم كـ “المغني” لابن قدامة و”نهاية المحتاج” للرملي و”رد المحتار” لابن عابدين. وفي مقابل ذلك، ذهب الإمام مالك في المشهور عنه في “المدونة” إلى أنها ست وثلاثون ركعة، وهو ما عُرف بـ “قيام أهل المدينة”، حيث أرادوا بهذا العدد معادلة فضل أهل مكة الذين كانوا يطوفون بالبيت بين كل ترويحتين، فزاد أهل المدينة ركعات مكان كل طواف طلباً للمساواة في الأجر والاجتهاد.
ومع هذا التنوع، يرى المحققون من أهل العلم أن الأمر فيه سعة كبيرة، مستندين في ذلك إلى حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سُئلت عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فقالت: “ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة”، وهو الحديث الذي استند إليه القائلون بأن هذا العدد هو الأقرب للسنة النبوية الفعلية. كما يستند العلماء كذلك إلى القاعدة النبوية العامة “صلاة الليل مثنى مثنى”، مما يفتح الباب للتوسعة في العدد بحسب قدرة المصلين وطول قيامهم. إن هذه الأقوال والمصادر تؤكد أن المقصد الأسمى هو إحياء الليل بالقرآن، سواء طال القيام بقلة الركعات أو كثرت الركعات مع تخفيف القراءة، فكل ذلك يصب في باب التقرب إلى الله، ويجعل من صلاة التراويح مدرسة سنوية لتهذيب النفس، لتظل القلوب حية بذكر الله ومستنيرة بنور طاعته في هذا الموسم المبارك.







