اسلاميات

طارق بن زياد: الفاتح الذي غيّر وجه التاريخ

​يُعد طارق بن زياد (670م – 720م تقريباً) أحد أبرز القادة العسكريين في التاريخ الإسلامي والعالمي، وهو الرجل الذي ارتبط اسمه بواحدة من أعظم التحولات الجيوسياسية في العصور الوسطى: فتح الأندلس، فلم يكن طارق مجرد قائد عسكري، بل كان تجسيداً لقوة الإيمان والتخطيط الذي غير مجرى التاريخ في شبه الجزيرة الإيبيرية لأكثر من ثمانية قرون، واختلف المؤرخون حول أصول طارق بن زياد؛ فبينما ترجح المصادر العربية والمغاربية مثل ابن عذاري المراكشي وابن خلدون أنه أمازيغي (بربري) من قبائل “نفزة” أو “ولهاصة” التي كانت تستوطن شمال المغرب والجزائر الحالية، تشير مصادر أخرى إلى احتمال كونه عربياً من قبيلة صدف باليمن أو حتى فارسياً، ومع ذلك، فإن الثابت تاريخياً هو أنه كان “مولى” (تابعاً) للقائد الأموي موسى بن نصير، والي أفريقيا، الذي توسم فيه الذكاء والشجاعة فولاه حكم طنجة بعد فتحها، وفي أبريل 711م، وبتوجيه من موسى بن نصير، عبر طارق بن زياد المضيق الذي سُمي باسمه لاحقاً (جبل طارق) على رأس جيش يقدر بنحو 7,000 جندي، معظمهم من الأمازيغ حديثي الإسلام، وانضم إليهم لاحقاً 5,000 جندي آخرين كتعزيزات، حيث التقى جيش طارق في معركة وادي لكة بجيش الملك القوطي “لذريق” الذي كان يفوقهم عدداً بعدة أضعاف، وبفضل التخطيط المحكم، حقق المسلمون نصراً ساحقاً قُتل فيه الملك القوطي، مما أدى إلى انهيار مملكة القوط الغربيين وفتح الطريق أمام المسلمين للسيطرة على المدن الكبرى مثل قرطبة، غرناطة، وطليطلة العاصمة، وترتبط سيرة طارق بقصتين شهيرتين، إلا أن المؤرخين المعاصرين يشككون في دقتهما التاريخية، أولهما قصة إحراق السفن حيث تروي بعض المصادر أنه أمر بإحراق سفنه بعد العبور ليقطع طريق العودة على جنوده ويحثهم على النصر أو الشهادة، ويرى المحققون أن هذه القصة قد تكون “أسطورة” أضيفت لاحقاً، إذ لم تذكرها المصادر المعاصرة للفتح، وثانيهما الخطبة العصماء وقوله الشهير “أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم…”، ورغم بلاغتها وتعبيرها عن روح المعركة، إلا أن هناك شكوكاً حول نسبتها إليه بصياغتها الأدبية العربية المعقدة نظراً لأصوله الأعجمية، وإن كان مضمونها يعكس الواقع القتالي حينها، وبعد النجاحات المذهلة، استدعى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك كلاً من طارق بن زياد وموسى بن نصير إلى دمشق في عام 714م، وتشير الروايات إلى أن طارقاً أمضى بقية حياته في دمشق بعيداً عن السلطة والسياسة، واختار العيش في زهد وتواضع حتى وافته المنية عام 720م تقريباً، مات طارق بن زياد “جندياً مجهولاً” من الناحية السياسية، لكنه ترك خلفه حضارة إسلامية في الأندلس أضاءت أوروبا لقرون، ولم يكن فتح طارق للأندلس مجرد صدفة، بل اعتمد على استراتيجيات عسكرية متقدمة شملت استطلاع الأرض حيث أرسل قبل العبور الكبير سرية استطلاعية بقيادة “طريف بن مالك” لدراسة نقاط الضعف في الساحل الإسباني، كما استغل عنصر المفاجأة وانشغال الملك القوطي “لذريق” بإخماد ثورات في شمال بلاده ليعبر المضيق ويتحصن في الجبل، فضلاً عن التحرك السريع فبعد معركة وادي لكة لم ينتظر طارق طويلاً بل قسّم جيشه إلى فرق صغيرة اتجهت لفتح عدة مدن في وقت واحد مثل إشبيلية واستجة وقرطبة مما منع القوط من إعادة تنظيم صفوفهم، وتتحدث المصادر التاريخية عن توتر وقع بين طارق وأستاذه موسى بن نصير حيث يقال إن موسى غضب لأن طارقاً توغل في الفتح ولم ينتظر أوامره، وبرز ذلك في قصة “مائدة سليمان” وهي قصة رمزية شهيرة حيث يُقال إن طارقاً عثر على مائدة مرصعة بالجواهر في طليطلة وتُنسب للنبي سليمان، وانتزع إحدى أرجلها وأخفاها وعندما ادعى موسى بن نصير أمام الخليفة أنه هو من وجدها أخرج طارق “الرجل المفقودة” ليثبت أنه هو الفاتح الفعلي مما أثار حفيظة موسى، ووُصف طارق بن زياد بأنه كان طويلاً، أشقر الشعر، ضخم الهامة حسب بعض الأوصاف التاريخية، وكان متحدثاً لابقاً أتقن العربية بجانب لغته الأمازيغية الأم، وزاهداً لم يُعرف عنه السعي وراء الغنائم أو المناصب بل انتهت حياته فقيراً في دمشق ويُقال إنه شوهد يطلب الصدقة أمام المساجد في أواخر أيامه رغم أنه افتتح بلاداً تفيض بالذهب، وقد خلد اسمه في الجغرافيا العالمية عبر جبل طارق (Gibraltar)، ووُضعت صورته على العملة الورقية في جبل طارق تقديراً لدوره، وتناولته العديد من الروايات والمسرحيات الأوروبية كشخصية بطولية تراجيدية ترمز للفاتح النبيل، وبفضل هذا الفتح تأسست في الأندلس حضارة فريدة كانت جسراً لنقل العلوم والطب والفلسفة من الشرق إلى أوروبا مما ساهم في نهضة القارة الأوروبية.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا