
يُعدّ عبد الله بن الزبير بن العوّام من أكثر شخصيات صدر الإسلام تعقيداً وثراءً، إذ اجتمع في سيرته النَّسَبُ الرفيع، والتديّن العميق، والشجاعة الميدانية، والموقف السياسي الصلب في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في التاريخ الإسلامي. لم يكن مجرد صحابي عاش زمن الفتن، بل تحوّل إلى رمز للصراع المبكر حول الشرعية، ومعنى الخلافة، وحدود السلطة.
وُلد عبد الله بن الزبير في المدينة المنورة سنة 2 هـ تقريباً، ويُجمع المؤرخون على أنه أول مولود للمهاجرين بعد الهجرة، وهو حدث استُقبل آنذاك بفرح كبير في المجتمع الإسلامي الناشئ. نشأ في بيت قلّ أن يجتمع له نظير: فأبوه هو الزبير بن العوام، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأمه أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين، وجدّه لأمه هو أبو بكر الصديق رضي الله عنهم جميعاً. هذا النسب لم يكن وجاهة اجتماعية فحسب، بل مدرسة في الإيمان والثبات والجرأة.
منذ شبابه، عُرف عبد الله بن الزبير بالصرامة في الدين وشدة التعلق بالعبادة. تصفه كتب السّير بأنه كان طويل القيام، كثير الصيام، شديد الخشوع، حتى قيل إنه كان يطيل السجود فلا يتحرك، ولا يلتفت لما حوله، حتى في أوقات القتال. هذه السمة الروحية جعلت شخصيته تجمع بين الزاهد والمقاتل، وبين العابد وصاحب القرار.
سياسياً، دخل ابن الزبير قلب الأحداث الكبرى التي عصفت بالعالم الإسلامي بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم بعد انتهاء العهد الراشدي. ومع تحوّل الخلافة إلى الحكم الأموي الوراثي، برز موقفه الرافض لهذا المسار، خاصة عندما طُلبت منه بيعة يزيد بن معاوية، فاختار الانسحاب إلى مكة، رافضاً الاعتراف بشرعية الحكم الوراثي، ومؤكداً أن الخلافة يجب أن تقوم على الشورى لا على التوريث.
بعد وفاة يزيد، وجد عبد الله بن الزبير نفسه في موقع القيادة، فبايعه أهل مكة والمدينة وأقاليم أخرى، وأصبح فعلياً قائداً سياسياً ودينياً للحجاز، فيما يشبه “خلافة مكة”. وخلال هذه المرحلة، اتسع نفوذه، لكنه واجه في المقابل تحديات داخلية وانقسامات، قبل أن تستعيد الدولة الأموية تماسكها بقيادة عبد الملك بن مروان.
أكثر فصول سيرته درامية كان الحصار الأخير لمكة، حين أرسل عبد الملك قائده الحجاج بن يوسف على رأس جيش قوي. دام الحصار أشهراً، واشتد القتال، وتفرّق عنه كثير من أنصاره. وفي تلك اللحظات الفاصلة، دخل عبد الله بن الزبير على أمه أسماء – وكانت قد جاوزت المئة عام – يستشيرها، فكان جوابها من أشهر ما حفظه التاريخ:
إن كنتَ على حق، فاصبر عليه حتى تموت، ولا تسلّم نفسك.
كان هذا الحوار لحظة حسم، اختار بعدها ابن الزبير الثبات حتى النهاية.
قاتل عبد الله بن الزبير قتال الشجعان، وهو في السبعين من عمره، حتى قُتل سنة 73 هـ داخل مكة. وبعد مقتله، صُلب جسده بأمر الحجاج، في مشهد قاسٍ هزّ الوجدان الإسلامي، قبل أن تتدخل أمه أسماء بشجاعة نادرة، وتواجه الحجاج بكلمات صارمة، مطالبة بإنزاله ودفنه، في موقف جسّد عظمة هذا البيت الذي نشأ فيه.
اختلف المؤرخون في تقييم تجربته السياسية، لكنهم أجمعوا على ورعه، وعبادته، وشجاعته، وثباته. لم يكن رجل تسويات، بل رجل مواقف، ولم ينتصر عسكرياً، لكنه انتصر أخلاقياً في الذاكرة التاريخية. ولهذا بقي اسمه حياً، لا بوصفه حاكماً خاسراً، بل بوصفه صحابياً وقف في وجه التحوّل القسري للسلطة، ودفع ثمن موقفه حتى آخر رمق.
عبد الله بن الزبير هو سيرة رجلٍ عاش بين المحراب وساحة القتال، وبين الإيمان والسياسة، وانتهى واقفاً كما عاش… شاهداً على أن بعض الهزائم تُخلِّد أصحابها أكثر من أعظم الانتصارات.




