اسلاميات

عمرو بن العاص… دهاء السياسة وسيف الفتح كما رآه التاريخ

يُعدّ عمرو بن العاص السهمي القرشي إحدى الشخصيات الأكثر حضورًا وتأثيرًا في التاريخ الإسلامي، ليس فقط بوصفه صحابيًا وقائدًا عسكريًا، بل باعتباره نموذجًا مركّبًا لرجل دولة جمع بين الذكاء الحاد، والبراغماتية السياسية، والقدرة على اتخاذ القرار في لحظات التحول الكبرى. وقد اختلفت حوله الأقوال، لكن قلّ أن اختلف المؤرخون حول فرادة شخصيته وقوة أثره.
وُلد عمرو بن العاص في مكة قبل البعثة النبوية بنحو أربعين سنة، ونشأ في بيت من بيوت قريش ذات النفوذ. في الجاهلية، كان من دهاة العرب وسفرائهم، عُرف بحسن الخطاب وسرعة البديهة، حتى اختارته قريش لمهام دبلوماسية دقيقة، من أشهرها رحلته إلى الحبشة لمحاورة النجاشي واستعادة المسلمين المهاجرين، في واحدة من أوائل المواجهات السياسية بين الإسلام وقريش.
دخل عمرو بن العاص الإسلام متأخرًا نسبيًا، في السنة السابعة للهجرة، لكنه دخله عن قناعة عميقة لا عن تردد، حتى قال النبي ﷺ: «أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص»، في إشارة إلى أن إسلامه لم يكن شكليًا، بل تحولًا فكريًا ونفسيًا كاملاً. ومنذ ذلك الحين، سخّر دهاءه وخبرته السياسية والعسكرية في خدمة الدولة الناشئة.
في عهد النبي ﷺ، أُسندت إلى عمرو بن العاص قيادة بعض السرايا، رغم حداثة إسلامه مقارنة بغيره، وهو ما اعتبره المؤرخون دليلاً على كفاءته القيادية وقدرته على إدارة الرجال والظروف. ولم يكن قائدًا متهورًا، بل عُرف بحسن تقدير المخاطر، وهو ما تجلّى في حادثة التيمم الشهيرة حين أفتى جنوده بذلك في ليلة باردة، فأقر النبي ﷺ اجتهاده، في دلالة على فقهه العملي وتقديمه حفظ النفس.
بلغ نجم عمرو بن العاص ذروته في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، حين قاد فتح مصر في واحدة من أعظم الحملات العسكرية في التاريخ الإسلامي. دخلها بجيش محدود العدد، لكنه اعتمد على التخطيط، وكسب ولاء السكان، وحسن إدارة الواقع السياسي والاجتماعي، فتم الفتح بأقل الخسائر. ثم أسّس مدينة الفسطاط، التي صارت نواة العمران الإسلامي في مصر، وأدار الولاية بعقلية رجل دولة، لا مجرد قائد عسكري.
وقد أجمع عدد من المؤرخين المسلمين وغير المسلمين، بمن فيهم مؤرخون أقباط، على أن حكم عمرو بن العاص كان أعدل وأخف وطأة من الحكم البيزنطي السابق، وهو ما جعل صورته في المصادر غير الإسلامية أقل عدائية من غيره. وكان ينظر إلى مصر نظرة استراتيجية واقتصادية، وعبّر عن ذلك بقوله المشهور: «ولاية مصر جامعة خيرًا، قليلة المؤونة، كثيرة المعونة»، في توصيف يعكس فهمًا مبكرًا لاقتصاد الدولة.
غير أن شخصية عمرو بن العاص لا يمكن فهمها دون التوقف عند دوره في الفتنة الكبرى بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، خاصة في أحداث صفّين والتحكيم. وهنا تنقسم الروايات والتقييمات؛ فبعض المؤرخين رأى فيه رجل السياسة الذي حاول إدارة الأزمة بأدوات واقعية لحقن الدماء وحفظ الدولة، فيما انتقده آخرون واعتبروا دهاءه السياسي سببًا في تعقيد المشهد. ومع ذلك، اتفق الجميع تقريبًا على أنه كان من أذكى العقول السياسية في عصره.
وقد خلّد الأدب العربي صورته بوصفه أحد «دهاة العرب الأربعة»، إلى جانب معاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه، ونُسبت إليه أقوال كثيرة تعكس فلسفته الواقعية، من أشهرها: «ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل من يعرف خير الخيرين وشر الشرين».
ورغم ما بلغه من نفوذ وسلطة، لم يكن عمرو بن العاص غافلاً عن البعد الروحي في حياته. ففي أواخر أيامه، بكى وهو على فراش الموت، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: «لقد رأيتني على أطباق ثلاث… ولا أدري ما حالي عند الله». وقد رأى العلماء في هذه الكلمات خلاصة تجربة إنسان عاش تحولات كبرى بين الجاهلية والإسلام، وبين المثال والواقع، وبين السيف والسياسة.
توفي عمرو بن العاص سنة 43 للهجرة في مصر، بعد حياة حافلة بالتحولات والصراعات والإنجازات. وبقيت سيرته مفتوحة على قراءات متعددة، لأنه لم يكن رجل مرحلة واحدة، بل رجل انتقال تاريخي، مثّل الجسر بين دولة الرسالة ودولة الإدارة والسياسة. ولذلك، فإن الجدل حوله لا ينتقص من مكانته، بقدر ما يؤكد عمق أثره وتعقيد دوره في صناعة التاريخ الإسلامي.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا