اسلاميات

فتح مكة: يوم المرحمة والفتح المبين

​يمثل شهر رمضان المبارك في الوجدان الإسلامي وعاءً للانتصارات الكبرى والتحولات الجسيمة التي غيرت مجرى التاريخ البشري، ولعل أبرز هذه الأحداث وأعظمها أثراً هو “فتح مكة” الذي وقع في السنة الثامنة للهجرة، وتحديداً في العشرين من رمضان. لم يكن هذا الفتح مجرد نصر عسكري عابر، بل كان تجسيداً لوعد الله الصادق لنبيه بالتمكين، وإيذاناً بزوال عهد الوثنية في جزيرة العرب. بدأت إرهاصات هذا الحدث الجلل حين نقضت قريش صلح الحديبية بإعانتها لقبيلة بني بكر في عدوانها على قبيلة خزاعة التي كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستنهض ذلك الغدر همة المسلمين لاسترداد الحق وتطهير بيت الله الحرام. تحرك الجيش النبوي الذي قوامه عشرة آلاف مقاتل في سرية تامة وتخطيط محكم نحو مكة، حتى إذا أقبلوا عليها ليلًا، أوقدوا النيران ليدخل الرعب في قلوب المشركين، مما جعل أبا سفيان يدرك ألا قبل لهم بهذا الجيش العظيم. وعند دخول المسلمين مكة، قدم المصطفى صلى الله عليه وسلم نموذجاً تاريخياً في التواضع والعفو؛ إذ دخلها وهو مطأطئ رأسه خشوعاً لله، ممتطياً ناقته، لا بجبروت الفاتحين المنتقمين، بل بروح النبي الرحيم. وحين اجتمع أهل مكة حول الكعبة ينتظرون حكمه فيهم، سألهم: “يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟”، فجاء ردهم معترفاً بفضله: “خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم”، فما كان منه إلا أن قال كلمته الخالدة: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، ليرسخ بذلك قيم التسامح التي قامت عليها الدولة الإسلامية. ولم يكتفِ صلى الله عليه وسلم بهذا العفو، بل بادر إلى تحطيم الأصنام التي كانت تحيط بالكعبة، وهو يتلو قوله تعالى في سورة الإسراء: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهَقًا}، فتهاوت الأوثان أمام جلال التوحيد. وقد نزل في هذا الفتح العظيم سورة كاملة تخلد الذكرى وتبشر بدخول الناس في دين الله أفواجاً، وهي سورة النصر التي قال الله فيها: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}. لقد كان فتح مكة تتويجاً لسنوات من الصبر والمصابرة، وبرهاناً على أن شهر رمضان هو شهر العمل والجهاد والفتح القلبي قبل العسكري، حيث تحولت مكة بفضله من دار حرب إلى دار إسلام وأمن، وأصبحت القبلة التي يتجه إليها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، في مشهد مهيب يثبت أن الحق يعلو ولا يُعلى عليه مهما طال ليل الظلم.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا