
ليلة النصف من شعبان ليلة مباركة، ولها مكانة خاصة في قلوب المسلمين، حيث وردت في فضلها أحاديث نبوية تحث على اغتنامها بالدعاء والاستغفار. وتبدأ هذه الليلة المباركة لهذا العام من مغرب اليوم الاثنين 2 فبراير 2026م، وتنتهي بطلوع فجر يوم غدٍ الثلاثاء، وهي الليلة التي يُنتظر فيها تجلي الله على خلقه.
أبرز ما يميز هذه الليلة هو ما ورد في الحديث الشريف أن الله يطلع فيها على عباده فيغفر للجميع إلا لنوعين من الناس، قال النبي ﷺ: «يطلِعُ اللهُ إلى خلقهِ في ليلةِ النِّصفِ من شعبانَ فيغفِرُ لجميعِ خلقهِ إلَّا لمشركٍ أو مشاحِنٍ» (رواه الطبراني وابن حبان). وبناءً على ذلك، فإن الفضل الأكبر في هذه الليلة يُنال بسلامة الصدر، فهي فرصة ذهبية للتخلص من الشحناء عبر العفو عمن أساء إليك وتطهير قلبك من الحقد، وتجديد التوبة بالرجوع إلى الله بقلب صادق. وقد استثنى النبي ﷺ “المشاحن” لأن الخصومة من أجل الدنيا تمنع رفع الأعمال إلى الله؛ فالله لا يملأ قلباً بالهداية وهو ممتلئ بالغل، لذا يُعتبر العفو في هذه الليلة أفضل من كثرة الركعات مع قلب يحمل ضغينة. والشحناء المحرمة هي التي تكون لغرض دنيوي مثل مال أو إرث، أما من هجر شخصاً لله فهذا لا يدخل في الوعيد عند كثير من العلماء، ومع ذلك، العفو العام أسمى وأعلى درجة.
ويطلق بعض العلماء عليها أسماء مثل “ليلة البراءة” أو “ليلة الغفران”؛ لأن يُرجى فيها أن يكتب الله لعباده براءة من النار إذا أقبلوا عليه بصدق، كما ذهب طائفة من المفسرين إلى أنها الليلة التي يبدأ فيها نسخ الآجال والأرزاق من اللوح المحفوظ للملائكة، مما يجعل الدعاء فيها ذا شأن عظيم لتمني الخير والبركة في العام القادم. ويرى الكثير من العلماء أيضاً أنها الليلة التي استجاب الله فيها لرغبة النبي ﷺ بتحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، وهو حدث غير مسار التاريخ الإسلامي وله دلالة تربوية عميقة في الانتقال من التشتت إلى الوحدة وفي الطاعة المطلقة؛ فاجعلها ليلة “تحويل قبلة قلبك” ليتجه إلى الله وحده.
وتقع ليلة النصف في قلب شهر شعبان، الذي وصفه النبي ﷺ بأنه شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فهي “ذروة” هذا الشهر، وكأنها لحظة الختام والتقرير السنوي قبل دخول موسم رمضان الكبير. وقد برز الاهتمام بها تاريخياً في عصر التابعين، وخاصة علماء أهل الشام مثل خالد بن معدان ومكحول، الذين كانوا يعظمون هذه الليلة ويجتهدون فيها بالعبادة، وكان الإمام إسحاق بن راهويه يرى أن إحيائها في المساجد ليس ببدعة اقتداءً بفعلهم.
أما من الناحية الفقهية، فلم يثبت نص يخصص صيام يوم النصف وحده كـ “سنة مستقلة”، ولكن يُستحب صيامه ضمن “الأيام البيض” أو ضمن كثرة الصيام في شعبان بشكل عام، كما لا توجد صلاة بهيئة معينة، بل يُستحب القيام والدعاء بما تيسر. وهناك قول ينسب لعكرمة أن قوله تعالى {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} هي ليلة النصف، ورغم أن الجمهور على أنها ليلة القدر، إلا أن البعض يرى أن التقدير يبدأ من شعبان وتُسلم الصحف في رمضان. وتختلف ليلة النصف عن ليلة القدر في أن الأخيرة خير من ألف شهر ويركز فيها على العبادة وتكون مخفية في العشر الأواخر، بينما ليلة النصف موعدها ثابت وتركيزها الأساسي ينصب على المغفرة العامة وتصفية القلوب.
ولإحياء هذه الليلة التي تبدأ من مغرب اليوم 2 فبراير 2026، يمكن اتباع برنامج عملي يسمى “تبييض الصحائف”، يبدأ بجلسة محاسبة وتسامح مع من تخاصمهم قبل أن يمضي وقت الليلة، ثم جلسة استغفار وصلاة على النبي ﷺ بنية تطهير الصحيفة، وقراءة ما تيسر من القرآن بين العشاءين، وختاماً بصلاة ركعتين في السحر قبل فجر 3 فبراير مع إلحاح في الدعاء بالثبات وسعة الرزق وصلاح القلب. فليلة النصف من شعبان هي ليلة “جرد الحسابات القلبية”، وكما قال الإمام الشافعي: «بلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليالٍ: منها ليلة النصف من شعبان».







