
تُعدُّ قضيةُ الزمنِ المفقودِ واحدةً من أكثرِ الألغازِ التي حيرت المؤرخينَ والفلكيينَ على حدٍّ سواء، حيث تتداخلُ فيها الحساباتُ الرياضيةُ الدقيقةُ بالقراراتِ السياسيةِ والدينيةِ التي شكلت وجهَ التاريخِ الإنساني، فما يُشاعُ عن نقصِ ثلاثةَ عشرَ يوماً ليسَ مجردَ وهمٍ عابر، بل هو حقيقةٌ فلكيةٌ مرتبطةٌ بالتحولِ الجذريِّ من التقويمِ اليوليانيِّ إلى التقويمِ الغريغوريِّ في القرنِ السادسِ عشر، حين اكتشفَ علماءُ الفلكِ في عهدِ البابا غريغوري الثالث عشر أنَّ السنةَ الشمسيةَ الحقيقيةَ أقصرُ من السنةِ الحسابيةِ المعتمدةِ بنحوِ إحدى عشرةَ دقيقة، مما أدى لتراكمِ خطأٍ زمنيٍّ وصلَ إلى عشرةِ أيامٍ كاملةٍ بحلولِ عام 1582 ميلادية. إنَّ هذا التعديلَ الذي جعلَ الناسَ ينامون في الرابعِ من أكتوبر ليستيقظوا في الخامس عشر منه، أحدثَ إرباكاً في توثيقِ الأحداثِ التاريخيةِ العظيمة، ومنها تحديدُ يومِ نزولِ الوحيِ بدقةٍ مطلقةٍ بالتقويمِ الميلادي، حيثُ تمدَّدَ هذا النقصُ بفعلِ القرونِ المتعاقبةِ ليصلَ اليومَ إلى ثلاثةَ عشرَ يوماً كاملاً في وقتنا الراهن، مما يجعلُ مطابقةَ التواريخِ الميلاديةِ لأحداثِ السيرةِ النبويةِ الأولى كبدءِ الوحيِ عام 610م تخضعُ لمشرطِ التعديلِ الفلكيِّ الدقيقِ لضمانِ استعادةِ الحقائقِ من بينِ طياتِ السجلاتِ الغابرة. وعلى ضفةِ التقويمِ القمري، تكتسي المسألةُ ثوباً أكثرَ تعقيداً يرتبطُ بممارسةِ “النسيء” التي كانت سائدةً عند العربِ قبلَ الإسلام، حيثُ كانوا يعمدون إلى إضافةِ شهرٍ كاملٍ كلَّ ثلاثِ سنواتٍ تقريباً للتوفيقِ بين السنةِ القمريةِ والفصولِ الأربعة، وهي الممارسةُ التي حسمها الوحيُّ الإلهيُّ ليعيدَ للزمانِ استدارتَه الفطريةَ المستقلةَ عن أيِّ تدخلٍ بشريٍّ مصداقاً لقوله تعالى في سورة التوبة: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ}، وتكشفُ التفاصيلُ المخفيةُ في الحساباتِ المقارنةِ أنَّ تحديدَ يومِ الاثنين 21 رمضان ينسجمُ تماماً مع استنتاجاتِ التقويمِ القمريِّ المحضِ البعيدِ عن شوائبِ النسيء، وهو ما يتوافق مع قول النبي ﷺ حين سُئل عن صوم يوم الاثنين فقال: “ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ”، رغمَ أنَّ الفوارقَ الشمسيةَ تظلُّ هي المسؤولةَ عن شعورِ الباحثينَ بوجودِ فجواتٍ في الذاكرةِ الزمنيةِ العالمية. إنَّ صراعَ الأرقامِ هذا لم ينل من قدسيةِ ليلةِ القدرِ أو جلالِ اللحظةِ في غارِ حراء التي خلّدها القرآنُ بوصفها ليلةً مباركةً في قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، بل أكَّدَ أنَّ التوقيتَ الإلهيَّ كان يختارُ وعاءً زمنياً يتجاوزُ أخطاءَ البشرِ في رصدِ الأيام، لتبقى تلكَ الذكرى ثابتةً في جوهرها وروحانيتها كما وصفها الإمام الشافعي في حديثه عن تحري اليقين في العبادات رغم اختلاف المطالع، مما يعكسُ رغبةَ الإنسانِ الدائمةِ في فكِّ شفرةِ الوقتِ واسترجاعِ ما سقطَ من أيامٍ في زحامِ التاريخِ المكتوبِ والمطويِّ بينَ دفتيِ الكتبِ القديمة التي سجلت بدقة أن الزمان استدار كما قال ﷺ في خطبة الوداع: “إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ”.




