
لطالما كانت الملاعب ساحة لتهذيب النفوس قبل نيل الكؤوس، لكن ما قدمته بعثة “الجارة الشرقية” في كأس أمم أفريقيا بالمملكة المغربية، تجاوز حدود التنافس الرياضي ليصبح دراسة في سيكولوجيا العقد النفسية والشيزوفرينيا التي تغلغلت في مفاصل نظامٍ يقتات على العداء. بدأت القصة منذ لحظة الاستقبال؛ ففي الوقت الذي بسط فيه المغرب كفه بـ “التمر والحليب” عنواناً للإخاء والوفاء، قَبض الضيف يده جحوداً، بل وذهب أبعد من ذلك حين اختار أولى خطواته في الفندق الراقي بالرباط لتكون إهانة للمضيف عبر تغطية صورة رمز البلاد جلالة الملك محمد السادس، في مشهد بئيس يخلط السياسة بالرياضة بلا أدنى لباقة.
هذا السلوك الميداني واكبه إعلام “مسعور” جُند للتقليل من كل نجاح مغربي؛ فحاولوا النيل من جودة الملاعب والضيافة، بل وانحدر أحد إعلامييهم إلى نقل الأخبار من زوايا مظلمة في سقطة مهنية تعكس حقداً دفيناً على بلدٍ أكرمهم كإخوة. غير أن “عاصمة الأنوار” ردت بالبرهان لا باللسان؛ إذ حبس العالم أنفاسه أمام ملاعب مبهرة صمدت أمام الأمطار الطوفانية التي قد تُغرق بطولات كبرى، لتلجم جودة التقنيات المغربية أفواه المأجورين، وتدفع مكتب التحقيقات الأمريكي لفحصها من أجل نقل هذه التجربة الرائدة إلى مونديال 2026.
ولم تكن سقطات المنتخب الجزائري في الميدان بأقل شأناً، فقد تركوا في كل مباراة أثراً من الفضائح؛ فمن سرقة الكرة التي رآها العالم وأنكروها بزعم “الذكاء الاصطناعي”، إلى الفعل الشنيع للاعب “محمد أمين عمورة” الذي قام بحركة غير رياضية تجاه أشهر مشجع كونغولي يمثل رمزية الزعيم الأفريقي “باتريس لومومبا”. هذا الاستفزاز السافر قلب القارة عليهم، ولم يفلح “التكريم البخس” الذي قدموه لاحقاً في غسل عار تلك الإهانة، تماماً كما فعل ذلك المشجع الذي تبول في الملعب موثقاً استهتاره بسيادة الدولة، ليتلقى الرد الحازم في لمح البصر.
أما مباراة نيجيريا، فقد كشفت حجم الرعب الذي تملكهم أمام قوة الخصم، فبينما كانت نيجيريا تستحق الفوز فنياً، أجمع المعلق والجمهور وحتى “الحجر والحصى” في الجزائر على أن الهزيمة صنيعة “الكولسة ولقجع وموتسيبي”؛ وهي “ماركة مسجلة” في التحليل الكروي لا تجدها إلا هناك. والأنكى من ذلك، هو تحول هذا الهذيان إلى “تجارة بخسة” على منصات “تيك توك”، حيث باتت بعض السيدات و”الإخوة الأعداء” يقتاتون على سب المغرب في بث مباشر، مستجدين “الدعم والتكبيس” من المتابعين مقابل كيل الشتائم للمملكة؛ في مشهد ساخر يعكس واقع شعب يبخس نفسه قبل غيره، ويحول عقده النفسية إلى وسيلة للتسول الرقمي.
إنها حالة من “الشيزوفرينيا” الجماعية التي تُغيب شعباً بأكمله، وتدفعنا للتساول: أين هم العقلاء الذين لا بد أنهم يرون كل هذا الهراء الذي لا يقبله منطق؟ فالمغرب يشكل عقدة نفسية عصية، رغم أن المغاربة غمروا الزوار بالترحاب، لكنهم لم يزدادوا إلا تعنتاً. إن هذا النظام الذي يدعي القوة، لم يجرؤ على النطق بحرف تنديد واحد حين سقط صديقه “نيكولاس مادورو”، فهم “أسود” خلف الميكروفونات ونعام في المواقف. وتاريخ 1963 لا يزال يذكرهم بمن هم؛ فلولا استجداء الوسطاء للملك الحسن الثاني لوقف الحرب، لكانت الإمبراطورية المغربية تحكم الجزائر اليوم. ويكفي ذكر اسم الجنرال إدريس بنعمر العلمي ليتقزموا، فقد ترك في قلوبهم غصة لن تمحوها السنون. إن ما نراه اليوم ليس نبوءة، بل واقع يقترب؛ فالجزائر لن تكمل سنتها إلا على وقع سقوط هذا النظام الأحمق، لأن من بنى وجوده على عقدة جاره، نهايته الجحيم.





