أراء وكتاب

ما وراء الاندماج: عقلية التغيير، تحدي الهوية، وفلسفة التحول في المهجر

عبد الله مشنون كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام

كثير من البشر يعيشون مفارقة وجودية محيّرة: رغبة صادقة في عبور ضفة الواقع نحو حياة أفضل، يقابلها ثبات شبه كامل في المكان. تتكرر المحاولات، تتبدل الخطط، وتُعلن البدايات الجديدة بصخب، لكن النهايات غالبًا ما تكون صامتة ومكررة. إن الفشل هنا لا يعود لضعف في قوة الإرادة كما يُروج له في كتب التنمية البشرية السطحية، بل لخلل بنيوي في فهمنا لطبيعة التحول الإنساني؛ فنحن نستهلك طاقاتنا في محاربة الأعراض بينما تظل الأمراض الكامنة في العمق في مأمن من التغيير.

من خلال اهتمامي ولقاءاتي هنا في إيطاليا مع العديد من الأصدقاء والشباب، لاسيما أبناء الجالية، لمستُ بوضوح حجم الارتباك الوجودي الذي يعيشه الكثيرون. لقد رأيتُ شباباً يمتلكون طموحات تعانق السماء، لكنهم مكبلون بقيود غير مرئية؛ قيود تتأرجح بين ضغط البيئة الجديدة، وبين موروثات قديمة لم تعد تسعفهم في مواجهة التحديات.

إن المعاناة التي يرصدها المتأمل في أحوال المغتربين ليست ناتجة عن صدام الحضارات كما يروج البعض، بل هي غربة داخل الغربة؛ حيث يفقد الإنسان بوصلته الداخلية في زحام البحث عن الخبز والأمان. إن الاستلاب الثقافي يبدأ حين يظن المرء أن التغيير هو محاكاة الآخر في قشوره، بينما التغيير الحقيقي هو أن يظل الإنسان وفياً لجوهره وقيمه، وقادراً في الوقت ذاته على استيعاب أدوات العصر. فالمهاجر الذي لا يملك “مركزية قيمية” صلبة، يتحول إلى ريشة في مهب رياح الثقافات، لا هو حافظ على أصله، ولا هو أدرك ثمار واقعه الجديد.

لقد لمستُ حاجة ماسة للكتابة في هذا الموضوع؛ لأن التغيير بالنسبة للمغترب ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة بقاء. إن العيش في مجتمعات مفتوحة كإيطاليا يضع الفرد أمام مرآة قاسية تفرض عليه مراجعة ذاته كل يوم. ومن هنا أدركت أن العائق الأكبر ليس في نقص الفرص، بل في الجمود النفسي الذي يجعل الإنسان يعيد إنتاج نفس النتائج القديمة رغم تغير الزمان والمكان.

المعضلة الكبرى هي أن معظم الناس يتعاملون مع التغيير كعملية ترميم خارجية، بينما التغيير الحقيقي هو تحول في الهوية. يغيّر الإنسان ما يفعله، لكنه ينسى أن يغيّر من يكون. وما دام التصور الداخلي عن النفس ثابتاً، فإن أي سلوك جديد سيظل جسماً غريباً يرفضه نظام المناعة النفسي عند أول ضغط. وهنا نلمس ما يسميه علماء النفس بـالمقاومة النفسية للتحول؛ فالإنسان بطبعه يميل إلى الاستقرار في منطقة الراحة حتى لو كانت مؤلمة، لأنها معلومة. إن كسر صنم العادة يتطلب شجاعة تشبه شجاعة الأنبياء في مواجهة أصنام أقوامهم. وكما يقول الإمام الغزالي في “إحياء علوم الدين”: إنما يتبدل الخلق بالرياضة، والرياضة هنا هي الدربة المستمرة على تهذيب النفس ونزع فتيل اليأس منها.

هذا المبدأ هو جوهر القانون الإلهي الصارم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. هنا، تُقدّم الآية الداخل على الخارج في ترتيب سببي لا يقبل الجدل. التغيير الظاهري ليس إلا انعكاساً لزلازل تحدث في أعماق النفس، حيث يعاد رسم تضاريس القناعات والمبادئ. لا يتحرك الإنسان بناءً على قائمة تعليمات جافة، بل بناءً على صورة ذهنية واحتياجات غير معلنة. التسويف، على سبيل المثال، ليس مجرد كسل، بل هو في الغالب استراتيجية دفاعية يحمي بها العقلُ صاحبَه من مواجهة حقيقة الفشل المتخيل.

العقل البشري يفضل جحيماً يعرفه على جنة يجهلها، لأن المجهول يهدد توازنه النفسي. ولهذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله المعجز: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله.. ألا وهي القلب». القلب هنا هو نظام التشغيل؛ فإذا كانت برمجته الأساسية معطوبة، فلن تنفع معه محاولات تحسين واجهة المستخدم الخارجية.

من الأخطاء الاستراتيجية القاتلة، الارتهان إلى خطاب التحفيز الفجائي الذي يوهم الإنسان بأن التغيير مجرد قرار عاطفي. هذا النوع من الخطاب يرفع السقف العاطفي، لكنه لا يلامس الجذور النفسية التي تُنتج السلوك. إن التغيير الذي لا يُبنى على وعي طويل النفس يتحول إلى خيبة أمل متكررة. إن التحول الحقيقي هو هدم صامت لبناء قديم، وإعادة بناء مجهدة لأسس جديدة، لا تُرى نتائجها في الأيام الأولى، بل تتجلى في لحظات الأزمات الكبرى حين تجد نفسك تتصرف بطريقة مختلفة تلقائياً وبكل هدوء.

لا يحدث التغيير الفردي في فراغ، بل داخل مفاعل نووي من العلاقات والعادات. الإنسان كائن اجتماعي يتأثر بما نسميه الجاذبية الاجتماعية. فحين تقرر التغيير مع البقاء في نفس المحيط الذي يغذي أنماطك القديمة، فأنت تحكم على إرادتك بالاستنزاف. وعليه، فإن البيئة ليست مجرد جغرافيا، بل هي عدوى فكرية. يقول النبي ﷺ: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». في سياق التغيير، هذا الحديث يمثل قاعدة ذهبية في علم الاجتماع؛ فصناعة المجتمع الصغير المحفز داخل الغربة هي طوق النجاة.

جزء من شجاعة التغيير يكمن في إعادة هيكلة المحيط؛ فالحكمة تقول: ما اعتاده الإنسان قيّد إرادته. لذا، فإن الوعي بتأثير البيئة المعادية للتحول هو نصف المعركة، والنصف الآخر هو البحث عن حواضن جديدة تدعم الهوية الجديدة التي تسعى لتبنيها.

وختاماً، أوجه رسالة صادقة لشبابنا في بلاد المهجر وإيطاليا بالخصوص؛ إن النجاح في هذه المجتمعات المفتوحة لا يعني ذوبان شخصيتكم في قوالب جاهزة، بل يعني قدرتكم على تقديم إضافة حضارية من خلال تميزكم الأخلاقي والمهني. نصيحتي لكم: لا تجعلوا من صعوبات البدايات عذراً للجمود النفسي، ولا تقعوا في فخ المقارنات القاتلة على منصات التواصل الاجتماعي التي تعرض النتائج وتخفي المشقات. التغيير الحقيقي يبدأ حين تتصالحون مع هويتكم الإسلامية كقوة دافعة للتميز لا كعائق عنه، وحين تدركون أن الغربة هي مختبر لصناعة الشخصية القوية؛ فاستثمروا في وعيكم، وانتقوا رفقاء دربكم بعناية، واعلموا أن يد الله مع من سعى لتغيير نفسه ليكون نافعاً لنفسه وأمته وللمجتمع الذي يحتضنه. إن العالم لا يحترم من يقلده، بل يحترم من يضيف إليه بصدق وإخلاص.

 في نهاية المطاف، التغيير ليس نقطة وصول نهائية نحتفل عندها، بل هو اتجاه بوصلة ينظم قراراتنا اليومية الصغيرة. عندما تتغير العلاقة مع الذات، وتصبح القيم هي القائد، يفقد المشتت بريقه، ويتحول التقدم إلى سياق حياة. إن التغيير الحقيقي هو أن تصبح نسخة أفضل من نفسك، لا نسخة مشوهة من شخص آخر، وهو أن تدرك أنك لست سجين ماضيك، بل أنت معماري مستقبلك. وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «قيمة كل امرئ ما يُحسنه»، وما يُحسنه المرء يبدأ دوماً بجهاد النفس الذي هو الجهاد الأكبر. التغيير ليس قسراً للذات، بل هو تصالح مع حقيقتها الكبرى، وإعادة بناء هادئة لعلاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالعالم الممتد من حوله.

Ahame Elakhbar | أهم الأخبار

جريدة أهم الأخبار هي جريدة مغربية دولية رائدة، تجمع بين الشمولية والمصداقية، وتلتزم بالعمل وفقًا للقانون المغربي. تنبع رؤيتها من الهوية الوطنية المغربية، مستلهمة قيمها من تاريخ المغرب العريق وحاضره المشرق، وتحمل الراية المغربية رمزًا للفخر والانتماء. تسعى الجريدة إلى تقديم محتوى يواكب تطلعات القارئ محليًا ودوليًا، بروح مغربية أصيلة تجمع بين الحداثة والجذور الثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا