اسلاميات

معاوية بن أبي سفيان… من كاتبٍ للوحي إلى مؤسس الدولة الأموية

معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه من أبرز الشخصيات في التاريخ الإسلامي، إذ جمع بين شرف الصحبة، وسعة التجربة السياسية، وطول ممارسة الحكم، فكان حلقة مفصلية في انتقال الدولة الإسلامية من مرحلة الخلافة الراشدة إلى مرحلة الدولة ذات البنية الإدارية والمؤسساتية. وُلد معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بمكة قبل الهجرة بنحو خمس عشرة سنة، ونشأ في بيت من بيوت قريش ذات المكانة والنفوذ، في بيئة عُرفت بالفصاحة والحكمة وحسن التدبير، وتعلّم القراءة والكتابة في وقت كان فيه ذلك نادرًا، مما هيأه لاحقًا لتحمل مسؤوليات كبرى.
أسلم معاوية رضي الله عنه قبل فتح مكة، وقيل عند عمرة القضاء، وكتم إسلامه فترة ثم أعلنه، فحسن إسلامه وصدق إيمانه. وقد اختاره رسول الله ﷺ ليكون من كتّاب الوحي، وهي منزلة جليلة لا تُمنح إلا لمن عُرف بالأمانة والدقة وحسن الخلق، كما دعا له النبي ﷺ بدعاء مشهور بأن يكون هاديًا مهديًا ويهدي الله به غيره. وقد شكّل قربه من النبي ﷺ وتعلّمه في مدرسة النبوة أساسًا متينًا لشخصيته الدينية والسياسية.
شارك معاوية في الفتوحات الإسلامية في بلاد الشام في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه إمارة دمشق، قبل أن تتسع ولايته في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه لتشمل كامل بلاد الشام. وأظهر خلال تلك الفترة قدرة لافتة على الإدارة وضبط الأمن، حتى غدت الشام من أكثر أقاليم الدولة الإسلامية استقرارًا، وتميزت بحسن التنظيم وقوة الجيش وانضباطه.
عقب مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، دخلت الأمة الإسلامية مرحلة عصيبة من الاضطراب والفتنة، وكان معاوية، بوصفه والي الشام وقريبًا لعثمان، يطالب بالقصاص من قتلته، وهو ما أدى إلى خلاف سياسي وعسكري مع الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وشهدت تلك المرحلة أحداثًا جسامًا مثل معركة صفين والتحكيم، وهي وقائع اجتهد فيها الصحابة رضوان الله عليهم، فأصاب بعضهم وأخطأ بعضهم، مع بقاء مكانتهم محفوظة، إذ كانوا جميعًا يبتغون الحق ويحرصون على مصلحة الأمة.
وبعد استشهاد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما عن الخلافة لمعاوية سنة 41 للهجرة، حقنًا لدماء المسلمين ولمًّا لشملهم، فكان ذلك العام يُعرف بعام الجماعة. وبموجب هذا الصلح التاريخي، تولى معاوية الخلافة وأسس الدولة الأموية، فاتحًا بذلك مرحلة جديدة في تاريخ الحكم الإسلامي.
اتسم حكم معاوية رضي الله عنه بالحلم الشديد وسعة الصدر، حتى صار يُضرب بحلمه المثل، وكان معروفًا بضبط النفس وتجنب الصدام كلما أمكن، ويقول في ذلك قولته المشهورة عن الشعرة التي لا تنقطع بينه وبين الناس. كما عُرف بدهائه السياسي وفهمه العميق لطبيعة الحكم، فأدرك أن الدولة لا تقوم على الشدة وحدها، بل على كسب الناس، وتحقيق التوازن بين الحزم واللين.
ولم يكن معاوية رجل سياسة فحسب، بل كان ذا اهتمام بالعلم والدين، روى الحديث النبوي عن رسول الله ﷺ، وحرص على توقير العلماء وأهل الفضل، وكان يستشير أهل الرأي، ويجلّ كبار الصحابة إذا قدموا عليه. كما عُرف بحسن علاقته بالحسن والحسين رضي الله عنهما، وإكرامه لهما، تأكيدًا لمعاني الصلح ووحدة الأمة بعد سنوات الفتنة.
وعلى المستوى الإداري والعسكري، أسهم معاوية في بناء مؤسسات الدولة، فنظم الدواوين، وأرسى نظام البريد، واهتم بالجيش، وكان أول من أسس الأسطول البحري الإسلامي المنظم، مما مكّن المسلمين من خوض معارك بحرية كبرى، ونقل الصراع مع الروم إلى البحر، وحصّن سواحل الدولة الإسلامية، وفتح آفاقًا استراتيجية جديدة. وفي عهده توسعت الفتوحات الإسلامية شرقًا وغربًا، ووصل المسلمون إلى تخوم القسطنطينية، وامتد نفوذهم في شمال إفريقيا.
ورغم ما أُثير حول بعض قراراته السياسية، وعلى رأسها إقرار ولاية العهد ليزيد بن معاوية، فإن جمهور علماء الأمة قرروا أن ذلك كان اجتهادًا سياسيًا هدفه تفادي الفوضى وتجدد الصراعات، دون أن يقدح ذلك في دين معاوية أو مكانته، إذ هو صحابي جليل له سابقة في الإسلام، وما صدر عنه إنما كان عن اجتهاد يُرجى له فيه الأجر.
وفي أواخر حياته، كان معاوية رضي الله عنه شديد الخوف من الله، كثير الدعاء والاستغفار، وقد نُقل عنه أنه كان يردد كلمات تدل على خشية صادقة وحساب للنفس. وتوفي سنة 60 للهجرة بدمشق، بعد حكم دام قرابة عشرين سنة، تاركًا دولة قوية الأركان، وتجربة سياسية كان لها أثر بالغ في رسم معالم التاريخ الإسلامي.
ويجمع أهل السنة والجماعة على الترضي عنه، والإمساك عما شجر بين الصحابة، وذكرهم جميعًا بالخير، انطلاقًا من قوله ﷺ: «لا تسبوا أصحابي»، وبذلك يبقى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه شخصية تاريخية كبرى، جمعت بين الصحبة والحكم، وأسهمت في تثبيت أركان الدولة الإسلامية في مرحلة دقيقة من تاريخها.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا