أراء وكتاب

مغاربة إيطاليا واستحقاقات 2026: هل حان وقت الإنصاف السياسي لإنهاء زمن التهميش الحكومي؟

عبد الله مشنون كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام

مع اقتراب موعد 23 سبتمبر 2026، يرتفع سقف التوقعات لدى الجالية المغربية المقيمة بالديار الإيطالية. لم يعد مقبولاً اليوم مقاربة ملف مغاربة إيطاليا بمنطق الودادية أو التحويلات المالية فقط؛ فنحن أمام قوة ضاربة، بشرياً وسياسياً، تمثل رقماً صعباً في معادلة الدفاع عن المصالح العليا للمملكة المغربية. إنها صرخة كفاءات وأجيال ترفض أن تظل في جانب الاحتياط السياسي بينما الوطن ينادي أبناءه لبناء مغرب الغد.

بصفتي صحفياً وكاتباً يعيش يوميات مغاربة إيطاليا، ويتقاسم معهم طموحاتهم وانكساراتهم، لم يعد الصمت خياراً مقبولاً أمام سياسة الأذن الصماء التي تنهجها بعض الجهات المسؤولية في الرباط. إن اختياري لإثارة هذا الملف في هذا التوقيت بالذات، ينبع من رصدنا لتماطل حكومي غير مبرر، وخاصة من لدن حكومة السيد عزيز أخنوش، التي يبدو أنها أسقطت ملف مغاربة العالم من أولوياتها الحقيقية، واكتفت بوعود الاستهلاك الإعلامي. إننا نرى اليوم وجوهاً سياسية وبرلمانيين ممن لم يعرفوا طريق الجالية إلا في المواسم قد تنكروا لمطالب مغاربة إيطاليا بالخصوص، وهم الذين يشكلون رقماً صعباً في معادلة الانتماء والوفاء. هذا التنكر الممنهج وتأجيل تفعيل الحقوق السياسية الدستورية هو ما دفعنا لإشهار قلم النقد، ليس من أجل الهدم، بل لندق ناقوس الخطر؛ فمغاربة إيطاليا ليسوا مجرد خزانات وتحويلات مالية تُستحضر في الأزمات، بل هم مواطنون كاملوا الأهلية.

لا يمكن الحديث عن الحاضر دون توجيه تحية إجلال لجيل الرواد، أولئك الذين حفروا في الصخر الإيطالي منذ السبعينيات او ربما قبل هذه السنوات. إن جيل الأوتاد في طورينو، ميلانو، وفلورنسا بولونيا وروما وفيرونا في كل التراب الايطالي، لم يقدم العرق والجهد فقط، بل قدم الأمن القومي الثقافي والديني والروحي للمغرب عبر الحفاظ على تماسك الأسر وربط الأبناء بالوطن في أحلك الظروف. رسالتهم اليوم إلى الرباط بسيطة وعميقة لقد شيدنا جسر الوفاء بدموعنا وعرقنا، وحان الوقت ليكون لنا صوت مسموع في مؤسسات بلادنا.

ما يميز مغاربة إيطاليا اليوم هو تحولهم إلى رأس حربة في الدبلوماسية الموازية. إنهم لا ينتظرون التعليمات، بل يتحركون بدافع الغيرة الوطنية وتشبتهم بالعرش العلوي المجيد وبتوابث المملكة في ردهات البرلمان الأوروبي، وفي اجتماعات الأحزاب الإيطالية المؤثرة، وفي مراكز الفكر وحوار الثقافات واللقاءات السياسية. هذه الكفاءات هي التي تتصدى لمناورات خصوم الوحدة الترابية، وهي التي تشرح عدالة قضية الصحراء المغربية بلغة إيطالية وأوروبية أكاديمية مقنعة. إن دورهم في تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وروما يتجاوز ما يمكن أن تقوم به القنوات التقليدية، مما يجعل إقصاءهم من المشاركة السياسية المباشرة نوعاً من هدر الذكاء الاستراتيجي الوطني.

نحن أمام جيل مغربي إيطالي جديد، يجمع بين البراغماتية الإيطالية والتمغربيت الأصيلة. هؤلاء الشباب يشغلون اليوم مناصب حساسة في كبريات الشركات مثل فياط، فيراري، وقطاع الطاقة والبرلمان وفي البلديات كمستشارين سياسيين، وأطباء، ومهندسون، ومحامون يترافعون في المحاكم الدولية. إنهم لا ينظرون إلى المغرب كبلد للعطلة، بل كأرض للفرص. لكن هذا الجيل يحتاج إلى رسائل طمأنة من الرباط:

التمثيلية الحقيقية: رفض الوصاية والمطالبة بتمثيلية برلمانية مباشرة تعبر عن مشاكل وطموحات مغاربة إيطاليا بشكل خاص.

لا يمكن قراءة هذا الحراك السياسي لمغاربة إيطاليا بمعزل عن الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، الذي وضع الجالية المغربية دوماً في قلب المشروع المجتمعي للمملكة. فجلالته كان سبّاقاً للتأكيد على أن مغاربة الخارج هم خزان للكفاءات وليسوا مجرد مصدر للدعم المادي. وفي خطاب الذكرى التاسعة والستين لثورة الملك والشعب، وجه جلالته رسالة حاسمة إلى المؤسسات بضرورة (إحداث آلية خاصة، مهمتها مواكبة الكفاءات والمواهب المغربية بالخارج، ودعم مبادراتها ومشاريعها”، معتبراً جلالته أن “العلاقة الهيكلية بين الجالية والوطن لا تقتصر فقط على الجوانب العاطفية، بل تقتصر بالأساس على الممارسة الفعلية للمواطنة). إن هذا الدعم الملكي المتواصل، والدعوة الدائمة لتمكين مغاربة العالم من حقوقهم السياسية والمؤسساتية، يضع الجهات المعنية بالرباط  والحكومة أمام مسؤولية تاريخية لتنزيل هذه التوجيهات على أرض الواقع، وجعل انتخابات 2026 تجسيداً لنداء جلالته بضرورة إشراك مغاربة العالم في مسار التنمية والديمقراطية بكرامة واعتزاز.

رسالتي إلى صناع القرار في الرباط: إن مغاربة إيطاليا هم صمام أمان اقتصادي وسياسي. الاستثمار في مواطنتهم الكاملة عبر تفعيل فصول الدستور خاصة الفصل 17 ليس هبة، بل هو ضرورة تمليها تحديات المرحلة.

مطلبنا نحن في ايطاليا: أن يكون يوم 23 سبتمبر 2026 عيدا للديمقراطية العابرة للحدود.

هدفنا: تحويل الارتباط الوجداني إلى مشاركة مؤسساتية فعلية تتيح لهذه الكفاءات المساهمة في النموذج التنموي الجديد.

 السيادة لا تتجزأ إن مغرب 2026، بآفاقه الأطلسية وطموحاته القارية، يحتاج إلى سواعد وعقول أبنائه في إيطاليا أكثر من أي وقت مضى. السيادة الوطنية لا تكتمل إلا بسيادة المواطن المغربي أينما وجد. لقد أثبت مغاربة إيطاليا أنهم مغاربة حتى النخاع في الدفاع عن الوطن، والآن جاء الدور على الوطن ليثبت أنه مغربي بكل أبنائه عبر فتح أبواب القرار السياسي أمامهم دون قيد أو شرط او اقضاء او تهميش.

Ahame Elakhbar | أهم الأخبار

جريدة أهم الأخبار هي جريدة مغربية دولية رائدة، تجمع بين الشمولية والمصداقية، وتلتزم بالعمل وفقًا للقانون المغربي. تنبع رؤيتها من الهوية الوطنية المغربية، مستلهمة قيمها من تاريخ المغرب العريق وحاضره المشرق، وتحمل الراية المغربية رمزًا للفخر والانتماء. تسعى الجريدة إلى تقديم محتوى يواكب تطلعات القارئ محليًا ودوليًا، بروح مغربية أصيلة تجمع بين الحداثة والجذور الثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا