
تُعد التطورات المتسارعة التي شهدها ملف الصحراء المغربية في أواخر يناير من عام 2026 مؤشراً جلياً على مرحلة مفصلية في تاريخ هذا النزاع المفتعل، حيث يتصاعد حراك دبلوماسي دولي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية لإنهاء الركود السياسي في المنطقة. وتتضارب القراءات والتقارير حول طبيعة الموقف الجزائري الحالي، إلا أن الثابت هو وجود ضغوط أمريكية قوية، لا سيما مع عودة إدارة ترامب والتحركات المكثفة التي يقودها مستشاره مسعد بولس، الذي يسعى لبلورة اتفاق إقليمي شامل يضمن الاستقرار والتعاون الاقتصادي، مع التأكيد الصريح على مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي وذي مصداقية. وفي هذا الصدد، تداولت أوساط دبلوماسية تقارير عن وضع مهلة زمنية تنتهي بحلول 31 يناير 2026 للوصول إلى تفاهمات ملموسة، فيما بات يُعرف بـ “اتفاق الـ 60 يوماً” الرامي لطي الملف وفتح الحدود وتعزيز التعاون الإقليمي.
وعلى الرغم من التباين في نقل الخبر حسب توجه المصادر، حيث تشير تقارير إعلامية عربية ودولية نقلاً عن مسؤولين أمريكيين إلى أن القيادة الجزائرية أبدت انفتاحاً غير مسبوق للحوار وإدراكاً لضرورة حل الملف لتجاوز الجمود الاقتصادي والأمني، فإن مصادر مغربية تذهب إلى وصف هذا التحول بالاستجابة المباشرة للضغوط الدولية، مستدلة بوفود انخرطت في مشاورات بنيويورك تضم جميع أطراف النزاع بما فيها الجزائر كطرف أساسي. وفي المقابل، وبينما لا تزال المصادر الجزائرية الرسمية تتمسك خطابياً بالإطار الأممي وحق تقرير المصير، إلا أن تصريحات وزير الخارجية أحمد عطاف الأخيرة التي أكد فيها أن الجزائر لن تدخر جهداً لدعم أي مبادرة وساطة تحت مظلة الأمم المتحدة، قد قرأها المراقبون بوصفها “ليونة” سياسية وتلميحاً مبطناً لقبول الوساطة الأمريكية.
ويتجسد هذا التحول في الزيارة الحاسمة التي قام بها مسعد بولس إلى الجزائر العاصمة في 27 يناير 2026، وهي زيارته الثانية في فترة وجيزة، بهدف تفعيل مقاربة براغماتية تدفع الجزائر نحو الانخراط المباشر في مفاوضات سياسية بعيداً عن الصيغ الجامدة السابقة. ويشير العرض الأمريكي المطروح في كواليس هذه الزيارة إلى ضغط واشنطن باتجاه “اتفاق إطار” يتضمن خفض التصعيد العسكري وفتح الحدود ومناقشة تفاصيل مبادرة الحكم الذاتي كأرضية وحيدة للحل، مقابل تقديم ضمانات اقتصادية وأمنية إقليمية للجزائر. وتتزامن هذه التحركات مع ما كشفته تقارير استخباراتية مسربة عن تواجد وفود رسمية من المغرب والجزائر وموريتانيا في نيويورك لإجراء مشاورات تمهيدية غير رسمية برعاية أمريكية، تفعيلاً لقرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في أواخر 2025، والذي شدد بوضوح على ضرورة انخراط الجزائر كطرف أساسي في آلية الموائد المستديرة.
إن هذا المشهد الذي تسوده “دبلوماسية الكواليس” يترافق مع تحول ملموس في لغة الخطاب الرسمي، حيث لوحظ صمت جزائري تجاه التسريبات الأمريكية فُسر على أنه قبول ضمني ببدء مرحلة جديدة لجس النبض، خاصة وأن بيان الخارجية الجزائرية حول لقاء عطاف وبولس ركز على قضايا الأمن الإقليمي وتأمين الحدود، وهي مصطلحات تشمل في عمقها ملف الصحراء. ومن الجانب الأمريكي، يبدو الموقف حازماً بتأكيد مسعد بولس أن سيادة المغرب على صحرائه ليست محل نقاش، مع التركيز على إيجاد مخرج مشرف ينهي معاناة المحتجزين في مخيمات تندوف ويضمن استقرار المنطقة. وما يدفع الجزائر نحو هذا الباب الموارب في عام 2026 هو اشتداد العزلة الدولية وتوالي سحب الاعترافات بجبهة البوليساريو التي تجاوزت 46 دولة، فضلاً عن الموقف الروسي الصيني الذي يميل لعدم الصدام مع واشنطن في هذا الملف، مما جعل الوساطة الأمريكية الخيار الأقل ضرراً أمام الجزائر التي توازن الآن بين خطابها التقليدي وبين مصالحها الأمنية والاقتصادية الجديدة، في ظل سعي أمريكي حثيث لإقناع كافة الأطراف بأن التعاون الاقتصادي والمشاريع الكبرى كأنبوب الغاز النيجيري هو البديل الأفضل عن استمرار نزاع طال أمده.







