اسلاميات

​موسى بن نصير: فاتح الأندلس وعبقري المغرب

​يُعد موسى بن نصير واحداً من أبرز القادة العسكريين في التاريخ الإسلامي، وهو الرجل الذي ارتبط اسمه بتثبيت أركان الدولة الأموية في شمال أفريقيا وفتح بلاد الأندلس. ولد موسى بن نصير في عهد الخليفة عمر بن الخطاب سنة 19 هـ (640 م) في قرية “كفر مثري” بفلسطين (وقيل في وادي القرى). نشأ في بيت علم وجهاد؛ إذ كان والده “نصير” مقرباً من معاوية بن أبي سفيان ورئيساً لحرسه. بفضل هذه البيئة، تعلم موسى العلوم الشرعية وروى الحديث عن كبار الصحابة، كما تشبع بالفنون العسكرية والسياسية في دمشق.
​عُين موسى والياً على إفريقية (تونس حالياً وما حولها) سنة 85 هـ في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان. تميزت قيادته بالحنكة الاستراتيجية، حيث اتبع سياسة “تأليف القلوب” مع قبائل البربر، وساوى بينهم وبين العرب في العطايا، مما دفعهم للدخول في دين الله أفواجاً والتحول إلى جنود في جيشه. كما أنشأ داراً لصناعة السفن في تونس، مما مكنه من غزو جزر البحر المتوسط مثل صقلية وسردينيا، وقاد حملات عسكرية وصلت إلى أقصى المغرب (طنجة)، وعيّن عليها مولاه طارق بن زياد.
​بعد أن استقرت الأمور في المغرب، وافق الخليفة الوليد بن عبد الملك على عبور البحر نحو شبه الجزيرة الإيبيرية (الأندلس) سنة 92 هـ (711 م). أرسل أولاً طارق بن زياد الذي حقق انتصاراً حاسماً في معركة “وادي برباط”، ثم لحق به موسى بن نصير بجيش كبير لتعزيز الفتوحات، ففتح مدن إشبيلية، ماردة، وبرشلونة. وكان لموسى طموح عسكري يفوق الحدود؛ حيث كان يخطط لتجاوز جبال البرانس والتوغل في أوروبا وفتح “روما” ثم الوصول إلى “القسطنطينية” من جهة الغرب، لولا أن جاءه أمر الخليفة بالعودة إلى دمشق.
​على عكس من سبقوه، أدرك موسى أن السيطرة على المغرب لا تتم بالحملات الخاطفة، فبنى المساجد وترك الفقهاء لتعليم الناس، مما حول البربر إلى قوة فاتحة. وقد وصفت المصادر التاريخية موسى بأنه كان أبيض اللون، طويل القامة، ضخم الجسم، جميل الوجه، وكان يصبغ شعره ولحيته بالحناء. ورغم قوته، عُرف بورعه؛ ويُروى أنه عندما أصاب الناس قحط، خرج للاستسقاء وفصل بين الأمهات وأطفالها والحيوانات وصغارها، ودعا الله بخشوع حتى نزل المطر.
​رغم الإنجازات العظيمة، واجه موسى تحديات سياسية بعد وفاة الوليد وتولي سليمان بن عبد الملك، الذي عزله وصادر أمواله. قضى أواخر حياته في العبادة، ومات وهو لا يملك شيئاً، ويُروى أنه قال في طريق حجه: “والله لوددت أني كنت عبداً لبعض الأعراب في هذه الجبال ولم أرَ ما رأيت”. توفي موسى بن نصير وهو مرتدٍ ملابس الإحرام في طريقه إلى الحج بوادي القرى في ذي الحجة سنة 97 هـ (الموافق لعام 716 م).

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا