اسلاميات

نبيّ الله إدريس عليه السلام أوّل نبيّ بعد آدم وبداية الرسالة والعلم في تاريخ البشرية

يُجمع جمهور علماء المسلمين على أن نبيّ الله إدريس عليه السلام هو أوّل نبيّ بُعث بعد آدم عليه السلام، في مرحلةٍ مبكرة من تاريخ الإنسان، حين بدأت ملامح الانحراف تظهر بعد عهد الصفاء الفطري. فاقتضت حكمة الله إرسال نبيٍّ يُجدّد التوحيد، ويُقوّم السلوك، ويؤسّس لمنهجٍ متكامل يجمع بين العبادة والعلم والعمران.
وقد جاء ذكر إدريس في القرآن الكريم مقرونًا بأعلى أوصاف الإيمان والاصطفاء، قال تعالى:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾
— سورة مريم، الآية 56
نسبه وثبوت نبوّته:
هو إدريس بن يَرْد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليهم السلام. وقد نصّ القرآن صراحةً على نبوّته، وجمع له بين مقام الصديقية والنبوة، وهو مقام رفيع لا يناله إلا القليل من عباد الله. قال ابن كثير: الصديق هو الكامل في التصديق والعمل، وقد اجتمع ذلك لإدريس عليه السلام.
أوّل نبيّ بعد آدم:
بعد وفاة آدم عليه السلام، بقي الناس على التوحيد زمنًا في عهد شيث عليه السلام، ثم بدأت الانحرافات العقدية والسلوكية في الظهور، فكان إدريس عليه السلام أوّل من أُوحي إليه بعد آدم، وأوّل نبيّ واجه فسادًا ناشئًا، لا مجرد حافظٍ لما كان قائمًا، وهو ما يجعله نبيّ الإصلاح الأول في تاريخ البشر.
سبب تسميته بإدريس:
ذهب جمهور المفسّرين، ومنهم القرطبي وابن كثير، إلى أن إدريس سُمّي بهذا الاسم لكثرة درسه للكتب والصحف، إذ كان شديد الاشتغال بالعلم، ملازمًا للتعلّم والتعليم، حتى صار العلم سِمته البارزة، وركنًا أصيلًا في رسالته.
إدريس والصحف الأولى:
من الخصائص المهمّة لإدريس عليه السلام أن الله أنزل عليه صحفًا مكتوبة، بعد صحف آدم وشيث عليهما السلام. وقد ورد في الآثار أن عددها بلغ ثلاثين صحيفة، تضمّنت أصول التوحيد، وقواعد العدل، وتنظيم شؤون الحياة، وهو ما يجعل إدريس حلقةً مركزيةً في انتقال الوحي من الحفظ الشفهي إلى التعليم المنهجي.
نبيّ العلم والحضارة:
تنسب كتب التفسير والسير إلى إدريس عليه السلام جملةً من الأوّليات في تاريخ الإنسان، من أبرزها:
أوّل من خطّ بالقلم
أوّل من علّم الناس الحساب وضبط الأزمنة
أوّل من علّمهم مراقبة حركة الأفلاك
أوّل من خاط الثياب ولبس المخيط بدل الجلود
أوّل من نظّم شؤون العبادة والمعاش
قال ابن كثير في البداية والنهاية: كان إدريس نبيًّا عالمًا، جمع بين العبادة والعمل، فكان إصلاحه شاملًا للدين والدنيا معًا.
كثرة عبادته وزهده:
اشتهر إدريس عليه السلام بكثرة العبادة وشدّة الاجتهاد في الطاعة، حتى ضُرب به المثل في الزهد والخشية. وقد ورد في آثار عديدة أن عمله الصالح كان يُرفع إلى السماء، وأنه بلغ منزلةً عالية بسبب دوام الذكر والطاعة، وهو ما ينسجم مع وصفه القرآني بالصديقية.
علاقته بالملائكة:
ذكرت بعض الروايات – التي أوردها الطبري وابن كثير مع التنبيه إلى كونها من الإسرائيليات غير المخالفة – أن لإدريس عليه السلام منزلة خاصة عند بعض الملائكة، لما رأوا من صدقه وكثرة عبادته. وقد تعامل العلماء مع هذه الأخبار بحذر، معتبرينها مكملة للصورة لا أصلًا في العقيدة.
دعوته ومنهجه الإصلاحي
دعا إدريس عليه السلام قومه إلى:
توحيد الله ونبذ الشرك
إقامة العدل وترك الظلم
الطهارة الظاهرة والباطنة
الالتزام بالميزان في المعاملات
وكان منهجه قائمًا على التعليم والحكمة والصبر، لا على القهر أو الفوضى، فأسّس بذلك أول نموذجٍ نبوّيّ للإصلاح الاجتماعي المتدرّج.
إدريس والجهاد الأول:
ذكر ابن كثير أن إدريس عليه السلام أوّل من قاتل في سبيل الله، دفاعًا عن المؤمنين حين اعتدى عليهم الجبابرة، فكان القتال عنده وسيلةً لحماية العقيدة وردّ الظلم، لا طلبًا للسلطة أو الغلبة.
رفعه إلى مكانٍ عليّ
خصّ الله إدريس عليه السلام بميزة عظيمة لم تُذكر لغيره من أنبياء البدايات، فقال تعالى:
﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾
— سورة مريم، الآية 57
وقد اختلف المفسّرون في معنى هذا الرفع؛ فذهب بعضهم إلى أنه رفعٌ مكانيّ إلى السماء، وذهب آخرون إلى أنه رفعٌ معنويّ في الدرجة والمنزلة، ورجّح ابن كثير الجمع بين المعنيين.
إدريس في حديث الإسراء والمعراج:
ثبت في الصحيحين أن النبي محمد ﷺ قال:
«ثم عُرج بي إلى السماء الرابعة فإذا أنا بإدريس…»
وهو دليلٌ صريح على علوّ مقامه بين الأنبياء، ومكانته الخاصة في الملأ الأعلى.
دلالات سيرته للإنسان المعاصر:
تُظهر سيرة إدريس عليه السلام أن الرسالة الإلهية منذ بداياتها لم تكن دعوةً روحيةً مجرّدة، بل مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان، وتؤكد أن:
العلم عبادة
الإيمان لا يعارض العقل
الحضارة لا تقوم إلا على القيم
الإصلاح الحقيقي يجمع بين السماء والأرض

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا