
مع إشراقة شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ (2026م)، لم يكن الجدل في إيطاليا مجرد خلاف عابر على يوم، بل كان اختباراً حقيقياً لنضج الجالية المسلمة وقدرتها على إنتاج قرارها الديني المستقل. وبينما ارتفعت أصوات هنا وهناك، جاء يوم الخميس 19 فبراير ليكون يوماً لليقين، بعدما صامت فيه الأغلبية الساحقة من مسلمي إيطاليا، في مشهد عكس انتصاراً للمنطق المؤسسي والعلمي على العاطفة المشتتة.
أولاً: إجماع بيت الجالية الإسلامية بإيطاليا هو تحالف الضرورة والشرعية لأن ما يمنح صيام يوم الخميس شرعيته الكبرى هو حالة الإجماع الإسلامي غير المسبوقة في إيطاليا؛ فلم يكن القرار منفرداً، بل جاء كثمرة تنسيق عالٍ، وتوافق تاريخي، وتصريحات رسمية موثقة بين كبرى المرجعيات والمراكز الثقافية الإسلامية المؤسسية التي تمثل صوت المسلمين أمام الدولة الإيطالية والمجتمع. حيث تلاقت إرادة المؤسسات التي تملك القاعدة الأكبر من المساجد، مع تلك التي تضم النخب والكفاءات، وصولاً إلى المراكز ذات المركزية القانونية والرمزية، والهيئات التي تمثل الفقه الميداني المباشر للأئمة والمرشدين. هذا الحراك المؤسسي الجامع، الذي يمثل في محصلته أكثر من 90٪ من مساجد إيطاليا، استند في قراره الرصين إلى بيانات مرجعيات ومؤسسات اسلامية يقودها علماء واهل الاختصاص في الفقه والشريعة، ليؤكد بجلاء أن الأربعاء هو المتمم لشهر شعبان، وأن الخميس هو الغرة الشرعية لرمضان في ديارنا.
ثانياً: الحجة العلمية لماذا استحال صيام الأربعاء؟ من الناحية الفلكية القطعية، فإن الاقتران بمعنى ولادة الهلال حدث في وقت جعل من المستحيل رؤية القمر مساء الثلاثاء في أفق أوروبا وإيطاليا بالخصوص. وهنا تبرز القاعدة الفقهية الذهبية التي يغفل عنها الكثيرون: “لا عبرة بالشهادة إذا خالفت القطع العلمي”. إن الادعاء برؤية الهلال في ظروف فلكية تؤكد غيابه قبل الشمس هو وهم لا يجوز شرعاً بناء عبادة عليه. لذا، فإن صيام الأربعاء كان افتقاراً لليقين، بينما كان صيام الخميس وقوفاً على أرض صلبة من العلم والسنة النبوية التي أمرت بإكمال العدة عند تعذر الرؤية.
ثالثاً: أزمة تغييب التخصص وتغول العوام وبصفتي مقيماً في هذا البلد لسنوات، ومتابعاً دقيقاً للعمل الإسلامي وتفاصيله، ومن خلال تواصلي المستمر مع الدعاة والعلماء والفاعلين في الحقل الديني، أقولها بمرارة: إن جزءاً من أزمتنا يكمن في أن “الأمور قد أُسندت لغير أهلها” ففي بعض الأوساط المنعزلة. من المؤسف أن نرى مراكز ومساجد يسيرها أشخاص –مع تقديرنا لإخلاصهم– يفتقرون للفقه الشرعي العميق ولـفقه الواقع الإيطالي. هؤلاء غلبوا التبعية العاطفية لبلدان المنشأ أو لمرجعيات بعيدة على حساب الدليل العلمي والوحدة المحلية، متناسين أن زمن إدارة الجالية الإسلامية ومراكزها ومساجدها بالتلي كوموند قد ولى، وأننا نعيش في واقع إيطالي يتطلب اجتهاداً مؤسسياً نابعاً من الداخل.
رابعاً: في الوفاء للمرجعية التاريخية وآفاق الاجتهاد المعاصر فإننا إذ نتحدث عن ضرورة الاستقلال المؤسسي في إيطاليا، لا يسعنا إلا أن نستذكر بتقدير وامتنان تلك السنوات الطويلة التي كانت فيها “أم القرى” بالمملكة العربية السعودية هي بوصلتنا ومرجعيتنا اليقينية؛ حيث كنا –ولا نزال– نولي وجوهنا شطر المسجد الحرام قبلةً ورمزاً لوحدة الأمة. ففي تلك المرحلة، كان الاعتماد على رؤية مكة المكرمة في الصيام والإفطار والأضحى هو الرابط الذي يجمع شتاتنا في ديار الغربة، وهو توجه نابع من التقدير لمكانة هذه الأرض المباركة. إلا أن الانتقال اليوم نحو استشارة أهل الاختصاص في بلاد الإقامة ومواكبة العلوم الفلكية المحلية، لا يُعد نكراناً لهذا الفضل، بل هو اجتهاد مرحلي تفرضه ضرورة مواكبة الواقع الأوروبي؛ فالحكمة ضالة المؤمن، ومواكبة العلم في تحديد المطالع هي صورة من صور إحسان الصنع التي تضمن دقة العبادة في سياقنا الجغرافي، مع بقاء الود والارتباط الروحي بالقبلة الأم راسخاً في وجداننا جميعاً.
خامساً: إسلام المواطنة مقابل إسلام الاغتراب المؤقت هو ما كشفه هلال هذا العام في الصراع بين رؤيتين: رؤية ترى المسلم في إيطاليا مجرد عابر سبيل يتبع مرجعيته في القارة الأخرى، ورؤية وهي التي صامت الخميس ترى المسلم الإيطالي صاحب سيادة دينية ومرجعية محلية. إن التفاف فئة كبيرة من المساجد والمراكز الثقافية الاسلامية حول قرار واحد هو إعلان استقلال ناضج، يؤكد أن الجالية الاسلامية أصبحت تملك مؤسساتها القادرة على حماية زمنها الديني من التشتت.
سادساً: أدب الاختلاف قلوب متحدة ورغم تباين الأيام فأن نقدنا للمنهجية لا يعني أبداً الإساءة للأشخاص. لذا، فإنني لا أشكك في نية الإخوة الذين اختاروا صيام الأربعاء؛ فربما دفعهم الشوق أو التبعية لبلدانهم. سائلين الله تعالى أن يتقبل من الجميع، فالاختلاف في يوم يجب ألا يفسد للود قضية، ولا يمزق نسيج الأخوة الذي هو أقدس عند الله من مجرد تحديد البدايات والنهايات. ومن منطلق الإيمان بمبدأ الرأي والرأي الآخر، فإنني أفتح المجال واسعاً أمام الإخوة والفئات التي ارتأت أن غرة رمضان هي يوم الأربعاء، ليوضحوا بدورهم أدلتهم وبراهينهم التي استندوا إليها في اتخاذ هذا القرار؛ فالمجال هنا متاح لكل المهتمين والمسؤولين لإبداء آرائهم حول ما توصلتُ إليه في هذا المقال بكل تجرد. كما أود أن أذكر الفضلاء والفضليات من المتابعين الكرام، بأنني حين أكتب، فإنما أكتب بحكم متابعتي الدقيقة لما يجري في الساحة، وبناءً على ما يصلني من معطيات موثقة بالأدلة والمصداقية، هدفنا الأول والأخير هو الوصول إلى الحقيقة وخدمة الصالح العام للجالية والبحث عن رضى الله عز وجل.
في ختام مقالي أقول غفر الله لنا وللجميع، وهدانا الله جميعاً إلى سبيله المستقيم، وهدي نبيه الكريم وسنته العطرة التي تجعل من الجماعة رحمة ومن الفرقة عذاباً. إن أملنا كبير في أن تكون هذه التجربة درساً للمستقبل، بحيث نضع ثقتنا في أهل الاختصاص، ونعلي من شأن مؤسساتنا المحلية، ليكون هلالنا دائماً عنواناً لوحدتنا وقوتنا في هذا المجتمع.
وأقول مرة أخرى، إنني بشر يصيب ويخطئ، فأستغفر الله لي ولكم إن كنت قد أخطأت في تقدير أو تعبير، وأسأل الله العلي القدير أن أكون قد وفقت في ما جاء في مقالي هذا لما فيه خير وصلاح جاليتنا، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم.






