
م تعد الفواجع المتكررة على الحدود المغربية الجزائرية مجرد “أخطاء تقنية” أو “تجاوزات معزولة” يمكن القفز فوقها، بل باتت تعكس نهجاً نظامياً قائماً على القتل العمد وسفك دماء المغاربة بدم بارد. إن الجريمة النكراء الأخيرة التي راح ضحيتها ثلاثة شباب مغاربة من مدينة “بوعرفة” الصامدة، ليست إلا حلقة جديدة في مسلسل طويل من “الإرهاب الحدودي” الممنهج الذي يمارسه عسكر الجزائر ضد العزل والأبرياء، في خرق سافر لكل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية التي تقدس حق الحياة.
في “بوعرفة”، كان ذنب الضحايا الوحيد أنهم أبناء هذه الأرض، بدو رحل يعيشون على الفطرة في مناطق تداخلت فيها القبائل والوشائج الاجتماعية منذ قرون. وبدلاً من لغة التحذير أو التوجيه، اختار العسكر الجزائري لغة الرصاص الغادر، ثم سارعت الماكينة الإعلامية التابعة لنظام المرادية إلى حبك “مسرحية المخدرات” المعتادة؛ وهي الأسطوانة المشروخة التي لم تعد تنطلي على أحد، بل باتت وسيلة بئيسة لتبرير الوحشية وتضليل الرأي العام.
هذا السيناريو الإجرامي يعيد للأذهان مشهد الغدر في عرض بحر السعيدية، واغتيال الشاب “أسامة همام”؛ وفي كل هذه الفواجع تبرز حقيقة واحدة مريرة: النظام الجزائري لا يفرق بين سائح تائه، أو راعٍ بسيط، أو رياضي طموح؛ فالهوية المغربية في عرفهم هي “تهمة” تستوجب التصفية الفورية.
وهنا، لا بد من كلمة صدق نوجهها لإخوتنا خلف الحدود، بعيداً عن ضجيج الطغمة العسكرية: “يا إخوتنا في الجزائر الشقيقة، يا من تقاسمنا معكم رغيف الخبز في زمن الكفاح، وتوحدت حناجرنا بتكبيرات العيد، ونبضت قلوبنا بصلوات الجمعة.. إننا نكتب إليكم بمداد الألم، لا بمداد الكراهية.
اعلموا أن التاريخ لا يُطمس، والحقيقة تظل ساطعة في سجلات الأمم؛ فالمغرب، ملكاً وشعباً، لم يتوانَ يوماً عن نصرتكم. هل نسي هؤلاء أن دماء المغاربة امتزجت بدماء أحرار الجزائر في خنادق المقاومة؟ هل نسوا أن السلطان المجاهد محمد الخامس، طيب الله ثراه، جعل من أرض المغرب قاعدة خلفية لتسليح جيش التحرير الجزائري وإمداده بالذخيرة والعتاد، ورفض المساومة على استقلالكم رغم كل إغراءات وضغوط الاستعمار؟
لقد كان صوت المغرب في هيئة الأمم المتحدة هو الصوت الأعلى دفاعاً عن حق الجزائر في الحرية، واليوم، وبدلاً من رد الجميل والوفاء لروح ‘إعلان وجدة’ وتضحيات المغاربة، يوجه العسكر رصاصه لصدور أحفاد من ساندوهم بالأمس. إن الرصاص الذي يطلقه عسكركم اليوم على صدور الرعاة والمساكين في ‘بوعرفة’ أو ‘السعيدية’، لا يقتل المغربي وحده، بل يغتال في طريقه قيم المروءة والشهامة وحق الجوار. إن هذا النظام يحاول عبثاً أن يصنع من المغرب ‘عدواً وهمياً’ ليغطي على فشله في تدبير ثرواتكم التي أنتم أولى بها.”
يا شعب الجزائر ، إن من لا يحترم حق الجار ولا يقدس حرمة النفس المؤمنة، لا يمكن أن يكون مؤتمناً على مستقبلكم. نحن باقون على عهد الود والعروبة، فكونوا أنتم صوت الحق الذي يرفض أن تُلطخ جيرة العمر بدماء الأبرياء. نحن نريد قارة تزدهر بشعوبها، لا بنزوات حكامها.
بالمقابل، وبينما يرسل نظام المرادية الرصاص والمؤامرات، يصر جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، برؤية القائد الحكيم والملك المتبصر، على مد يد السلام والأخوة. ففي كل الخطابات السامية، يؤكد جلالته أن المغرب والجزائر “توأمان يكملان بعضهما البعض”، داعياً في كل مناسبة إلى فتح الحدود وتجاوز ترسبات الماضي لبناء قوة اقتصادية تحمي شعوبنا.
لقد مد الملك يده ليس عن ضعف، بل من إيمان عميق بأن مصيرنا مشترك. لكن، ويا للأسف، يقابل العسكر “سياسة اليد الممدودة” بـ “سياسة الزناد المشدود”، ويواجهون دعوات الاتحاد بمناورات التفرقة، مما يثبت للعالم أنهم يخشون السلام أكثر مما يخشون الحرب؛ لأن السلام يعني كشف زيف “العدو الخارجي” الذي يقتاتون على وجوده.
الخلاصة: سيظل دم “شهداء بوعرفة” وصمة عار تلاحق هذا النظام العسكري. إن محاولات ترهيب المغاربة لن تزيدنا إلا وحدة وصموداً خلف ثوابتنا. لقد فاز المغرب بمنطق التنمية والريادة الأخلاقية، وسقط النظام الجزائري في فخ العداء المجاني. نحن ننتصر بالحياة والبناء، وهم يغرقون في دماء الأبرياء، والتاريخ يخبرنا دائماً أن الدماء الطاهرة هي التي تقتلع في النهاية جذور الأنظمة المستبدة.









