ثقافة وفن

كتاب الأرض.. سر الخلق من باطن العالم في الميثولوجيا الفرعونية

بين جدران مقابر الفراعنة في وادي الملوك، وتحديدًا في مقبرة الملك رمسيس السادس، يتجلّى نصّ فريد من نوعه، غامض كأعماق الأرض التي يصفها، ومضيء كالشمـس التي يروي رحلتها من الموت إلى الميلاد من جديد.
إنه كتاب الأرض، أحد أعظم النصوص الدينية في مصر القديمة، الذي جمع بين الفن والفكر والعقيدة، وصاغ رؤية المصري القديم للحياة والموت والبعث من رحم الأرض.

ميلاد النص وتطوره:
ظهر كتاب الأرض في أواخر عهد الدولة الحديثة، تحديدًا في الأسرات التاسعة عشرة والعشرين (حوالي 1250 ق.م – 1100 ق.م)، ليكمل سلسلة الكتب الجنائزية التي بدأت بـ «كتاب الأمدوات» و«كتاب البوابات».
لكنه تفرّد عن سابقيه في الفكرة والمعالجة:
فبينما ركزت النصوص السابقة على رحلة الشمس في العالم السفلي، فإن كتاب الأرض غاص في باطن العالم نفسه، ليكشف أن الخلق والبعث لا يأتيان من السماء فقط، بل من قلب الأرض ذاتها.

وقد وُجدت أجزاؤه على جدران مقابر رمسيس السادس والسابع والتاسع، منقوشة برسومات دقيقة تمثّل الأرض وقد انفتحت لتحتضن الشمس ثم تولدها من جديد مع الفجر.

المعنى الكوني والفلسفي:
كتاب الأرض ليس مجرد وصف لرحلة رع الليلية، بل تأمل فلسفي في أصل الوجود.
يقدّم النص رؤية عميقة تقول إن كل ما يُخلق لا يُخلق من العدم، بل من باطنٍ حيّ هو الأرض.
فالأرض عند المصريين لم تكن مجرد تربة صامتة، بل كيانٌ حيّ يُنجب الشمس والأرواح كما تُنجب الأم أبناءها.

في هذا الكتاب، تتحول الأرض إلى رحمٍ إلهيٍّ، والشمس إلى جنين كونيٍّ يدفن في باطنها عند الغروب، ثم يُولد من جديد عند الشروق.
إنها دورة الخلق والبعث التي تسير عليها الطبيعة والإنسان والآلهة معًا، في نظامٍ أبديٍّ يُدعى «ماعت» — التوازن والعدالة والانسجام الكوني.

مضمون الكتاب وبنيته:
يتألف النص من خمسة أقسام رئيسية تُعرف بـ (A – B – C – D – E)، وهي ليست فصولاً بالمعنى الحديث، بل مشاهد رمزية متتابعة:

1. المدخل إلى باطن الأرض: تُغيب الشمس في الأفق الغربي لتدخل جسد الأرض، حيث يستقبلها الإله آكر، الممثل للأفق المزدوج (الغروب والشروق).
2. رحلة الخلق في الأعماق: تُصوَّر الشمس كجسد مومياء يُحمَل داخل قوسٍ من الأرض، تحيط بها الآلهة التي ترفع قرصها نحو الأعلى.
3. العقاب والتطهير: تُعذَّب الأرواح المذنبة في جوف الأرض، رمزًا لتطهيرها قبل البعث.
4. الاتحاد الإلهي: تتّحد الشمس بالإله أوزوريس، ربّ البعث والحقول الخضراء، ليولدا معًا من جديد.
5. الفجر الأبدي: تُشرق الشمس في الأفق الشرقي وسط أناشيد النور، معلنة انتصار الحياة على الموت.

الرموز والآلهة في النص:
يظهر في الكتاب عدد من الرموز والآلهة ذات الدلالات العميقة:

رع (Ra): الشمس الخالدة، رمز الروح والنور.

آكر (Aker): إله الأفقين، يجسد باطن الأرض ويمثل الفتح والاحتواء.

نوت: إلهة السماء التي تبتلع الشمس ليلًا وتلدها نهارًا.

أوزوريس: سيد البعث والحياة الأبدية.

ماعت: العدالة الكونية التي تحفظ التوازن بين العالمين.

ويُصوَّر الإله رع في هيئة مومياء ذهبية، تحيط بها الأيدي الممتدة من الأرض، كأنها القوى الخفية التي تدفع قرص الشمس من الظلام نحو الضوء.

البعد الديني والإنساني:
يعكس كتاب الأرض إيمان المصري القديم بأن الحياة تنبع من الموت، وأنّ الأرض — رغم كونها مثوى الأجساد — هي أيضًا مهد الخلق.
ولذلك فإن كل روحٍ تموت لا تُفنى، بل تعود إلى أحشاء الأرض لتُطهَّر وتولد من جديد في شكلٍ أسمى.

إنها رؤية تتجاوز الأسطورة لتقترب من الفلسفة:
فالموت في هذا المفهوم ليس نهاية بل تحوّل،
والأرض ليست مقبرة بل رحمٌ يعيد الخلق.

يقول أحد المقاطع المترجمة من الكتاب:
«الأرض تفتح فمها فتبتلع رع، لتُخرجه في فجرٍ جديد من قلبها المضيء.»

العلاقة مع كتب العالم الآخر:
يُكمل كتاب الأرض ما بدأه «كتاب الأمدوات» و«كتاب البوابات»، لكنه أكثر تجريدًا وتأمّلاً.
في حين ركزت الكتب السابقة على عبور الشمس بين محطات العالم السفلي، فإن هذا النص يصوّر عملية البعث نفسها، وكيفية ولادة النور من الظلمة.

ويُعدّ هذا العمل أحد أبرز النصوص التي جمعت بين الميثولوجيا والفلك، فقد ربط المصري القديم بين حركة الشمس في السماء وبين دورة الحياة البشرية، في انسجامٍ مذهل بين الدين والعلم والرمز.

الفن واللون في النقوش:
تُظهر الجداريات التي نقلت مشاهد كتاب الأرض في مقبرة رمسيس السادس ثراءً فنيًا استثنائيًا.
تتوزع الرسومات على طبقات متوازية، حيث تمتد الأرض في شكل قوسٍ تحتضن داخله مومياء الشمس، فيما تتناثر حولها الأيدي المضيئة والأفاعي الحارسة.
الألوان الزاهية — الذهبي والأزرق والأحمر — ليست مجرد تزيين بل لغة رمزية تعبّر عن مفاهيم النور والطاقة والبعث.

الذهب يرمز إلى الخلود،
والأزرق إلى الماء والسماء،
أما الأحمر فيجسّد نار التطهير والطاقة الكونية.

رسالة الخلود:
يُختتم الكتاب بمشهد مهيب للشمس وهي تُبعث من قلب الأرض، يصاحبه نشيد يقول:

> «ها قد خرج رع من الظلمة، وولد في الأفق من جديد،
لا يموت من عرف طريق الأرض، ولا يغيب من سار في نورها.»

بهذه العبارات، يلخّص المصري القديم فلسفته الوجودية:
أن الإنسان مثل الشمس، يموت جسده ويُدفن في الأرض، لكنه يولد من جديد في عالمٍ آخر ما دام قلبه طاهرًا وأعماله منسجمة مع العدالة الإلهية (ماعت).

يظل كتاب الأرض واحدًا من أكثر النصوص الفرعونية عمقًا وإلهامًا، لأنه لا يتحدث عن العالم الآخر فحسب، بل عن جوهر الوجود نفسه.
إنه كتاب الخلق والبعث، كتاب الأم الكبرى — الأرض — التي تحتضن وتمنح الحياة، والتي منها خرج كل شيء وإليها يعود كل شيء.

على جدران مقابر رمسيس السادس والسابع، ما زالت الألوان تحكي الحكاية ذاتها منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام:
أنّ النور لا يولد من السماء وحدها، بل من أعماق الظلمة أيضًا،
وأنّ الأرض — في صمتها العميق — هي أول وأعظم أسرار الخلود.

«من عرف سرّ الأرض، لا يخاف الموت، لأنّ من رحمها يولد النور الأبدي.»

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا