
تعيش مدينة الفاشر في إقليم دارفور السوداني واحدة من أكثر مراحلها قسوة منذ اندلاع الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، حيث أفادت تقارير حقوقية وإنسانية متطابقة بأن قوات الدعم السريع تشنّ منذ أيام حملة ملاحقات واعتقالات واسعة ضد المدنيين الذين يحاولون الخروج من المدينة، في مشهد يُنذر بكارثة إنسانية وشيكة. وتشير مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى أن ما يجري في الفاشر يرقى إلى مستوى “الانتهاكات المروعة”، إذ فرّ أكثر من اثنين وثمانين ألف شخص من أصل مئتين وستين ألفاً كانوا يقيمون في المدينة قبل المعارك الأخيرة، وسط غياب شبه تام للغذاء والدواء والمياه. ووفقاً لتقارير ميدانية صادرة عن منظمات دولية، فقد فرضت قوات الدعم السريع طوقاً خانقاً على مداخل المدينة ومخارجها، وأصبحت تُوقف كل من يحاول المغادرة، في حين تتحدث شهود عيان عن عمليات إعدام ميدانية واحتجاز قسري لمئات الأشخاص، بينهم نساء وشيوخ. وتشير منظمة “هيومن رايتس ووتش” إلى أن هذه الممارسات تأتي بعد سيطرة القوات على الفاشر عقب حصار دام قرابة ثمانية عشر شهراً، وتتهمها بارتكاب “انتهاكات جسيمة بحق المدنيين” أثناء اقتحامها المدينة. كما تناقلت وسائل إعلام عربية ودولية مشاهد تُظهر الفوضى والانتهاكات التي تلت السيطرة، بينما أعربت جهات غربية عن قلقها من تكرار سيناريو التطهير العرقي الذي شهدته دارفور قبل عقدين. في المقابل، تحاول الحكومة السودانية عبر قنواتها الرسمية نفي بعض التقارير، مؤكدة أن الوضع “تحت السيطرة” وأن عمليات الملاحقة تستهدف “عناصر مسلحة” لا المدنيين، غير أن تناقض الروايات يزيد من غموض المشهد ويعمّق مأساة السكان المحاصرين. منظمات الإغاثة بدورها تطلق نداءات عاجلة لإجلاء المدنيين وتوفير ممرات إنسانية، محذّرة من أن استمرار الوضع الراهن سيؤدي إلى كارثة تفوق قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة. ما يجري في الفاشر اليوم يتجاوز الصراع العسكري ليعكس مأساة إنسانية وسياسية معقّدة، تُنذر بأن دارفور قد تعود مجدداً إلى دائرة الجحيم، ما لم يتحرك المجتمع الدولي لوقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها قبل فوات الأوان.







