
يُعدّ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، من أعظم أنبياء الله الذين خُلِّدت سيرتهم في الكتب السماوية، إذ خُصّت قصته في القرآن الكريم بسورة كاملة حملت اسمه، ووُصفت بأنها “أحسن القصص” لما فيها من العِبر والعجائب الإلهية، ومن تجلّيات الصبر والتمكين بعد الابتلاء.
الميلاد والنسب:
اتفق المفسرون على أنّ يوسف عليه السلام هو ابن يعقوب عليه السلام، حفيد إسحاق بن إبراهيم الخليل، ومن أمّه راحيل بنت لابان، كما ورد في التوراة وورد مثله في بعض التفاسير الإسلامية كـ«القرطبي» و«البحر المحيط».
وُلد في أرض كنعان، وهي ما يُعرف اليوم بجنوب فلسطين، وقد كان يعقوب آنذاك يعيش مع أبنائه الاثني عشر، وكان يوسف أحبَّهم إلى قلبه لما تميّز به من جمالٍ وأدبٍ وذكاء، حتى قيل إنّ وجهه كان يضيء كالقمر ليلة البدر.
أمّا تحديد تاريخ ولادته فليس له أصل صحيح في الإسلام، إذ لم يرد في القرآن أو الحديث ما يُحدّده، غير أنّ بعض الروايات التوراتية تذكر أنّه وُلد في «فِدان أرام» حين كان يعقوب في طريق عودته من أرض حران. وهذه روايات يُستأنس بها ولا يُبنى عليها يقين.
رؤياه الأولى وبداية المحنة:
بدأت قصة يوسف بالرؤيا التي قصّها على أبيه قائلاً:
«يا أبتِ إنّي رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين»
(سورة يوسف، آية 4).
فأدرك يعقوب عليه السلام أن لابنه شأنًا عظيمًا، فخاف عليه من غيرة إخوته، وحذّره قائلاً:
«يا بُنيّ لا تَقْصُصْ رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً».
ير أن الغيرة كانت قد تغلغلت في صدورهم، فاجتمعوا على مؤامرةٍ خبيثة لإبعاده عن أبيهم، فقال قائلهم:
«اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخلُ لكم وجه أبيكم»
(يوسف: 9).
لكنّ أحدهم قال قولاً فيه رحمة:
«لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة»
(يوسف: 10).
فأخذوه بحيلةٍ إلى الصحراء، وألقوه في بئرٍ عميقة، ثم عادوا بقميصه ملوّثاً بالدم، وقالوا لأبيهم كذباً:
«أكله الذئب».
فبكى يعقوب حتى ابيضّت عيناه من الحزن، كما يذكر القرآن الكريم.
النجاة من الجب والبيع في مصر:
مرت قافلة فالتقطت يوسف من الجب، ثم باعوه في سوق العبيد بمصر بثمنٍ بخس. واشتراه العزيز – وزير مصر آنذاك – ليكون في بيته. قال الله تعالى:
«وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتّخذه ولداً»
(يوسف: 21).
نشأ يوسف في بيتٍ ملوكي، وتربّى على الحكمة والعفاف، حتى فتُن بجماله نساءُ القصر، وكانت زوجة العزيز أولاهنّ فتنة، فراودته عن نفسه فامتنع، وقال قولته الخالدة:
«معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون»
(يوسف: 23).
السجن والتمكين:
عندما شاع خبر الفتنة، وتبرأ يوسف من التهمة، اختير له السجن درءاً للفضيحة. وهناك بدأت مرحلة أخرى من التمحيص، إذ أصبح في السجن رمزاً للحكمة والعلم، فكان يُفسّر الأحلام ويُعلّم المساجين التوحيد والصبر.
وفي السجن وردت إليه رؤيا صاحبي السجن، ففسّرها لهما بإلهام من الله، ثم جاءت الفرصة الكبرى حين رأى ملك مصر رؤيا عجيبة عن سبع بقراتٍ سمان يأكلهن سبعٌ عجاف، وسبع سنبلات خضرٍ وأُخر يابسات، فاحتار المعبّرون.
عندها تذكّر أحد السجناء يوسف فقال:
«أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون»،
فجاء إلى يوسف الذي فسرها بحكمةٍ نبوية:
«تزرعون سبع سنين دأباً، ثم يأتي بعدهن سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهنّ»
(يوسف: 47-48).
فأُعجب الملك بعلمه، وأمر بإخراجه وتكريمه، وجعله أميناً على خزائن البلاد، فقال يوسف:
«اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظٌ عليم»
(يوسف: 55).
فأصبح وزير الاقتصاد والإدارة العليا في مصر، يدبّر مواردها خلال أعوام الرخاء والجدب.
اللقاء بالإخوة وتحقيق الرؤيا:
مع حلول سنوات القحط، جاءت قوافل من كنعان تطلب الطعام، وكان إخوة يوسف من بينهم، فدخلوا عليه ولم يعرفوه، فعاملهم بلطفٍ وأعطاهم كيلهم، واحتفظ بأخيه بنيامين.
ثم تتابعت الأحداث حتى عرفوه، فخاطبهم قائلاً:
«هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون؟»
(يوسف: 89).
قالوا: «أئنك لأنت يوسف؟» قال: «أنا يوسف وهذا أخي قد منّ الله علينا إنه من يتقِ ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين»
(يوسف: 90).
ثم أرسل يوسف قميصه إلى أبيه، فعاد إليه بصره، وجاء آل يعقوب جميعاً إلى مصر، وسجدوا له تحية وتكريماً، فتحققت الرؤيا الأولى بعد سنين طويلة:
«يا أبتِ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً»
(يوسف: 100).
زواجه وأولاده:
تختلف الروايات في هذا الباب:
في التوراة (سفر التكوين 41:45): تزوج يوسف امرأة مصرية تُدعى آسِنات بنت فوطيفارا كاهن أون، وأنجب منها ولدين: منسّى وأفرائيم، وهما أصل سبطيّ بني إسرائيل المعروفين لاحقاً.
في بعض التفاسير الإسلامية (كالقرطبي): ورد أنه تزوج امرأة العزيز نفسها بعد وفاة زوجها، وأنها تابَت وأنجب منها ابنين بالاسمين نفسيهما.
أما الحديث النبوي والسنة الصحيحة فلم يرد فيها نصٌّ ثابت يذكر زواجه أو أولاده، ولذلك قال العلماء إنّ هذه من أخبار أهل الكتاب التي يجوز روايتها دون تصديقٍ قاطع.
وفاته ومكان دفنه:
تُجمع أكثر المصادر الإسلامية على أن يوسف عليه السلام عاش ما بين مئةٍ إلى مئةٍ وعشرين سنة.
وجاء في «القرطبي» و«ابن كثير» أن وفاته كانت في مصر، ودُفن فيها أولاً، ثم أوصى أن تُنقل عظامه إلى بيت المقدس حين يخرج بنو إسرائيل، وهو ما يُروى في بعض الأحاديث الموقوفة أن موسى عليه السلام نقل رفاته لاحقاً، امتثالاً لوصيته.
أما في التوراة، فذُكر أنه دُفن في شكيم (نابلس الحالية) في فلسطين.
العبر والدلالات:
قصة يوسف عليه السلام مدرسة متكاملة في الإيمان والتدبير والوفاء:
فهي تروي رحلة الإنسان من الجب إلى القصر ثم إلى السجن فالتمكين، لترسّخ مبدأ أن الابتلاء طريق الرفعة.
وتُظهر كيف أن الحلم والتسامح يصنعان أعظم الانتصارات، وأن العفة والصبر هما تاج النبوة.
وفيها درسٌ في الإدارة والاقتصاد، إذ كان يوسف أول من نظّم خزائن الحبوب والتموين العام، فأنقذ مصر من المجاعة.
وأخيراً، تجسّد قصته وعد الله في قوله تعالى:
«إنه من يتقِ ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين».
تتفق الديانات السماوية الثلاث على عظمة يوسف عليه السلام، وتختلف في التفاصيل الفرعية التي لا تمسّ جوهر رسالته.
ففي الإسلام هو نبي كريم من ذرية إبراهيم، وفي التوراة هو حكيم مصر المخلّص من المجاعة، وفي المسيحية يُضرَب به المثل في العفة والنقاء.
ويبقى جوهر القصة واحداً: أن الحق يعلو بالصبر، وأن الله يُبدّل المحن منحاً لمن صدق التوكل عليه.











