
يشهد سوق الهواتف الذكية في الآونة الأخيرة تحدياً جديداً يتمثل في نقص شرائح التخزين والذاكرة نتيجة تصاعد استثمارات شركات التكنولوجيا في الذكاء الاصطناعي. هذا التحول الكبير في أولويات الإنتاج والتوريد أثّر بشكل مباشر على توافر المكونات الأساسية التي تُستخدم في تصنيع الهواتف، خصوصاً شرائح NAND الخاصة بالتخزين وDRAM الخاصة بالذاكرة.
بدأت الأزمة عندما توجهت الشركات الكبرى مثل سامسونغ وإس كي هاينكس وميكرون نحو زيادة إنتاج شرائح الذاكرة عالية النطاق HBM، وهي مخصصة لمعالجات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات المتقدمة. هذا التوجه سحب جزءاً كبيراً من خطوط الإنتاج التي كانت موجهة سابقاً إلى سوق الهواتف الذكية، مما أدى إلى تراجع الإمدادات وارتفاع الأسعار. ومع اشتداد المنافسة في تطوير البنى التحتية للذكاء الاصطناعي حول العالم، ارتفع الطلب على هذه الشرائح إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبحت الشركات المنتجة عاجزة عن تلبية احتياجات كل القطاعات في الوقت نفسه.
تداعيات هذا النقص بدأت تظهر بوضوح في سوق الهواتف، حيث لاحظ المصنعون ارتفاعاً ملحوظاً في تكلفة المكونات الداخلية، ما دفع بعضهم إلى إعادة النظر في استراتيجيات التسعير أو حتى خفض سعات التخزين في بعض الطرازات لتقليل التكلفة. من المتوقع أن يؤدي هذا الوضع إلى ارتفاع أسعار الهواتف الذكية خلال العامين المقبلين بنسبة قد تصل إلى 20٪، خاصة مع ازدياد الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل الأجهزة نفسها، مثل المعالجة المحلية للصور أو الترجمة الفورية أو تشغيل النماذج الصغيرة للذكاء الاصطناعي على الهاتف.
الأمر لا يقتصر على الأسعار فقط، بل يؤثر أيضاً على وتيرة الابتكار في الأجهزة الجديدة. فمع ندرة الشرائح وتوجيهها إلى مراكز البيانات، قد تضطر الشركات إلى تأجيل إطلاق بعض النماذج أو الاكتفاء بترقيات محدودة في الأداء بدلاً من تحسينات جذرية. كما أن الشركات الصغيرة أو تلك التي تعمل في الفئة المتوسطة ستتضرر أكثر من غيرها، لأنها لا تمتلك القدرة على التفاوض بأسعار تفضيلية أو تأمين عقود توريد طويلة الأجل.
في المقابل، تحاول بعض الدول والمؤسسات الاستثمار في إنشاء مصانع جديدة لتقليل الاعتماد على الموردين الآسيويين، لكن بناء خطوط إنتاج جديدة لشرائح الذاكرة يحتاج إلى وقت طويل وتكاليف هائلة. لذلك، من المرجح أن يستمر الضغط على السوق حتى عام 2026 على الأقل، إلى أن تتوازن القدرات الإنتاجية بين احتياجات الذكاء الاصطناعي ومتطلبات الأجهزة الاستهلاكية.
في النهاية، يعكس هذا الوضع الترابط العميق بين مختلف قطاعات التكنولوجيا الحديثة. فبينما يسعى العالم إلى تسريع تطوير الذكاء الاصطناعي، يدفع سوق الهواتف الذكية الثمن مؤقتاً من خلال ارتفاع الأسعار وتراجع الخيارات، ما يوضح أن التحول نحو المستقبل الرقمي الذكي لا يمكن أن يتم دون تحديات اقتصادية وتقنية على طول الطريق.











