الأخبار الرياضية

ماذا لو سقط الأسود في الكان؟ حين يتحول الإقصاء إلى فشل دولة كرويًا

ماذا لو خرج المنتخب المغربي من دور المجموعات أو من ثمن/ربع النهائي في كأس إفريقيا للأمم 2025، وهو يلعب على أرضه، وأمام جماهيره، وفي بطولة جرى الإعداد لها لسنوات باعتبارها لحظة التتويج لا التجريب؟ السؤال ليس رياضيًا بريئًا، بل سياسي-اقتصادي-مؤسساتي بامتياز، لأن الإقصاء المبكر في بطولة “الدار” لا يُعد عثرة عادية، بل إخفاقًا مركبًا تتجاوز كلفته المستطيل الأخضر.
أول الانفجارات سيكون الغضب الجماهيري. لا لأن الجمهور متطلب بطبعه، بل لأنه شريك معنوي في مشروع رُفع سقفه عمدًا عبر الخطاب الرسمي والتسويق الإعلامي. حين تُعد الجماهير بلقب، ثم تُمنح خيبة، يتحول الدعم إلى مساءلة، وتتحول الثقة إلى شك، ويُفتح باب التشكيك في كل شيء: المدرب، اللاعبين، الجامعة، وحتى صدقية المشروع نفسه. في بطولة على أرضك، لا يوجد هامش أعذار.
ثم تأتي الخسارة الاقتصادية، وهي خسارة لا تقل فداحة. فالتقدم في الأدوار ليس مسألة مجد فقط، بل محرّك اقتصادي مباشر: امتلاء الملاعب، تدفق السياح، انتعاش النقل والفنادق والمطاعم، وارتفاع وتيرة الاستهلاك. الإقصاء المبكر يعني برودة المدرجات، وانسحاب الجمهور، وتراجع العائدات، وتحول الكان من فرصة ربح جماعي إلى عبء مالي غير معلن تتحمله الدولة والفاعلون المحليون.
الأخطر من ذلك هو سقوط الرواية الكبرى للمنظومة الكروية المغربية. منظومة صُرفت عليها إمكانيات هائلة، من بنى تحتية ومراكز تكوين وتأطير تقني وخبرات، وقُدّمت للرأي العام باعتبارها نموذجًا إفريقيًا ناجحًا. الإقصاء المبكر يعرّي السؤال المحرج: هل المشكلة في الإمكانيات أم في الحكامة؟ وهل الاستثمار تُرجم فعلًا إلى نجاعة داخل الميدان أم توقف عند حدود التنظيم والواجهة؟
وما يجعل هذا الإقصاء، إن وقع، غير مبرَّر موضوعيًا، هو أن كل شروط النجاح متوفرة وبأعلى مستوى ممكن. إمكانيات مالية كبيرة، دعم لوجيستيكي شامل، ملاعب حديثة بمعايير دولية، أرضية لعب مألوفة، جمهور غفير وداعم، وتنظيم محكم يشهد له الجميع. في ظل هذا التفوق الكامل في الظروف، لا يمكن الاحتماء بسوء الحظ أو التفاصيل الصغيرة. وعندما يميل ميزان الإمكانيات كليًا لصالحك، يصبح الإخفاق داخل الميدان مسؤولية مباشرة لا تقبل التبرير.
الإقصاء في هذه الحالة لا يُحسب خسارة رياضية عادية، بل فشلًا في تحويل الامتيازات إلى نتائج، وفي استثمار أفضل بيئة تنافسية عرفتها الكرة المغربية قاريًا. فاللعب على الأرض وبين الجماهير وداخل منظومة تنظيمية مثالية ليس عامل راحة فقط، بل ضغط إيجابي يفترض أن يولد شخصية قوية داخل الملعب، لا ارتباكًا أو تراجعًا. وعندما لا يحدث ذلك، يكون الخلل أعمق من مباراة أو خصم.
ويُضاف إلى ذلك انهيار الزخم الوطني. الكان على أرض المغرب كان يفترض أن يكون لحظة إجماع نادرة، تلتف فيها الجماهير حول هدف واحد. الإقصاء المبكر يبدد هذا الزخم، ويحوّل الحلم الجماعي إلى ساحة اتهامات، ويدخل الكرة الوطنية في دوامة جلد الذات بدل البناء.
كما أن صورة المغرب الكروية ستكون من بين الخاسرين. فالتنظيم المثالي دون نتائج يظل ناقصًا. النجاح في أعين القارة والعالم لا يُقاس فقط بجودة الملاعب والبنية، بل بما يقدمه منتخب البلد المضيف داخل المستطيل الأخضر. الخروج المبكر يضعف الأثر الرمزي للبطولة، ويقلص القيمة التسويقية للمنتخب ولاعبيه، ويحوّل “كان المغرب” إلى إنجاز تنظيمي بلا تتويج.
ولا يقل خطورة عن ذلك الأثر النفسي والاجتماعي، خاصة لدى فئة الشباب. كرة القدم في المغرب ليست مجرد لعبة، بل مرآة أمل وطموح. وحين يُكسر الحلم في بطولة البيت، يتسلل الإحباط إلى جمهور كان يرى في المنتخب امتدادًا لنجاحه الرمزي، ما يفرض مسؤولية مضاعفة في احتواء الخيبة.
ثم هناك خسارة الزمن، وهي الخسارة التي لا تُعوّض. تنظيم كأس إفريقيا على أرضك فرصة قد لا تتكرر إلا بعد عقود. الإقصاء المبكر يعني تبديد سنوات من التحضير في أيام قليلة، وإعادة العداد إلى الصفر، مع ما يرافق ذلك من قرارات متسرعة تحت ضغط الغضب، غالبًا ما تكون أكثر كلفة من الإقصاء نفسه.
الخروج المبكر من كأس إفريقيا للأمم 2025، إن حدث، لن يكون مجرد فشل رياضي، بل إخفاق مشروع كامل، وسقوط في امتحان الحكامة قبل أن يكون سقوطًا في الملعب. فاللعب على أرض الوطن ليس امتيازًا يُستهلك بالشعارات، بل مسؤولية تاريخية، لأن الكأس قد تُخسر في تسعين دقيقة، لكن ثمن الخسارة قد تدفعه الكرة المغربية لسنوات.
لذلك نتمنى لمنتخبنا الوطني كل التوفيق

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا