أخبار

إصلاح أنظمة التقاعد بالمغرب… مسار حتمي بين ضغط الأرقام وحماية التوازن الاجتماعي

عاد ملف إصلاح أنظمة التقاعد بالمغرب إلى صدارة النقاش العمومي مع اقتراب نهاية سنة 2025، في ظل معطيات ديموغرافية ومالية تؤكد أن الاستمرار بالصيغة الحالية لم يعد ممكناً دون تدخل هيكلي عميق. فالتقارير الرسمية الصادرة عن المؤسسات العمومية المكلفة بالتقاعد تجمع على أن عدداً من الصناديق يعيش ضغطاً متزايداً بفعل اختلال التوازن بين المساهمين والمتقاعدين وارتفاع متوسط العمر.
وتشير المعطيات المتداولة في هذا الإطار إلى أن عدد المتقاعدين في ارتفاع مستمر مقابل تراجع نسبي في عدد المنخرطين النشطين، وهو ما ينعكس مباشرة على القدرة التمويلية للصناديق، خصوصاً الصندوق المغربي للتقاعد وأنظمة أخرى مرتبطة بالقطاعين العام والخاص. هذا الوضع جعل الحكومة تعتبر الإصلاح خياراً استراتيجياً لا يحتمل التأجيل، حفاظاً على ديمومة صرف المعاشات مستقبلاً.
وفي هذا السياق، أحدثت الحكومة لجنة وطنية لإصلاح أنظمة التقاعد، عهد إليها بإعداد تصور شامل للإصلاح يقوم على مقاربة تدريجية وتوافقية، تأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي إلى جانب الضرورات المالية. ووفق ما تم الإعلان عنه، فإن هذا التصور يرتكز على إعادة هيكلة المنظومة الحالية في أفق إرساء قطبين أساسيين، أحدهما عمومي والآخر خاص، بما يسمح بتوحيد القواعد وتحسين الحكامة وضمان عدالة أكبر بين مختلف الفئات.
ومن بين المرتكزات الأساسية التي تؤكد عليها الجهات الرسمية، عدم المساس بالحقوق المكتسبة للمتقاعدين الحاليين، مع اعتماد إصلاحات تدريجية تخص الأجيال القادمة، سواء فيما يتعلق بسن الإحالة على التقاعد أو نسب المساهمات أو طريقة احتساب المعاشات، وهي نقاط تظل محل نقاش واسع مع الفرقاء الاجتماعيين.
وفي موازاة الإصلاح الهيكلي، برز إجراء اجتماعي مهم تمثل في تخفيض الضريبة على الدخل المفروضة على معاشات التقاعد بنسبة 50 في المائة في إطار قانون المالية لسنة 2025، مع التوجه نحو الإعفاء الكلي ابتداءً من سنة 2026، وهو ما اعتُبر خطوة داعمة لتحسين القدرة الشرائية للمتقاعدين والتخفيف من آثار الغلاء.
غير أن هذا المسار الإصلاحي يواجه تحفظات من طرف المركزيات النقابية، التي تدعو إلى حوار اجتماعي موسع وشفاف، محذرة من أي إصلاح قد يؤدي إلى تحميل الأجراء وحدهم كلفة اختلالات تراكمت عبر سنوات. كما تطالب النقابات بضمانات قانونية واضحة تحمي مبدأ التضامن الاجتماعي وتحفظ كرامة المتقاعدين.
وبين ضغط الأرقام وهاجس الاستدامة المالية من جهة، وضرورة الحفاظ على السلم الاجتماعي والعدالة بين الأجيال من جهة أخرى، يظل إصلاح التقاعد بالمغرب ورشاً معقداً وحساساً، تتوقف نجاحه على مدى قدرة الحكومة على التوفيق بين منطق الإصلاح المالي ومتطلبات الإنصاف الاجتماعي، في انتظار بلورة الصيغة النهائية التي ستحدد ملامح تقاعد المغاربة في العقود القادمة.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا