
لم يكن الجمال عند نساء الفراعنة مجرد مظهر خارجي أو ترفٍ اجتماعي، بل كان علمًا متكاملًا ارتبط بالصحة والروح والعقيدة، ودُوّن بعناية في برديات طبية ما زالت إلى اليوم تثير دهشة الباحثين. فقد كشفت نصوص مصرية قديمة، تعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة، أن المرأة الفرعونية امتلكت معرفة دقيقة بمكونات الطبيعة، واستعملتها في وصفات للجمال لا تختلف في جوهرها عن مستحضرات التجميل الحديثة.
من بين أشهر هذه الوصفات ما ورد في بردية إيبرس الطبية، التي تُعد أقدم موسوعة طبية معروفة في التاريخ، حيث ذُكرت خلطة مخصصة لنضارة البشرة وتأخير التجاعيد، كانت تعتمد على العسل الطبيعي وزيت المورينغا ومسحوق اللبان وحليب الماعز. كانت طريقة تحضير هذه الوصفة تقوم على طحن حبيبات اللبان حتى تصبح مسحوقًا ناعمًا جدًا، ثم خلطها بالعسل الطبيعي في وعاء فخاري، وإضافة بضع قطرات من زيت المورينغا مع مقدار صغير من الحليب الطازج حتى تتشكل عجينة لينة ومتجانسة. كانت النساء يدهنّ هذا الخليط على الوجه والعنق مساءً، ويتركنه مدة كافية قبل غسله بالماء الفاتر أو بماء منقوع الأعشاب، ويُكرر الاستعمال بانتظام للحفاظ على نعومة البشرة ونضارتها.
وتشير برديات أخرى، مثل بردية كاهون النسائية وبردية هيرست، إلى وصفات استُعملت لشدّ البشرة وتوحيد لونها. من بينها خلطة تعتمد على شمع العسل وزيت السمسم ومسحوق نباتات عطرية. كانت طريقة إعدادها تتم بإذابة شمع العسل على نار هادئة، ثم مزجه بزيت السمسم مع التحريك المستمر، وإضافة المسحوق النباتي بعد رفع الخليط عن النار، ليُستعمل دافئًا كمرهم يُدهن على الوجه قبل النوم لعدة أيام متتالية.
كما وردت وصفة أخرى لتفتيح البشرة وتجديدها، تعتمد على الحليب الحامض ودقيق الشعير والعسل. كانت تُحضّر بمزج هذه المكونات حتى تتكوّن عجينة متماسكة تُستعمل كقناع، يُوضع على الوجه لفترة قصيرة ثم يُزال بلطف، ما يساعد على إزالة الخلايا الميتة وتوحيد لون الجلد بطريقة طبيعية.
اللافت أن هذه الوصفات، رغم قدمها، تتطابق مع ما توصل إليه العلم الحديث؛ فالعسل معروف بخصائصه المضادة للبكتيريا وقدرته على ترطيب الجلد، بينما يحتوي زيت المورينغا على مضادات أكسدة قوية وأحماض دهنية تحارب التجاعيد، ويُعرف اللبان بقدرته على شد البشرة وتجديد الخلايا، في حين يعمل الحليب كمقشر طبيعي لطيف بفضل حمض اللاكتيك.
ولم تقتصر مستحضرات التجميل عند الفراعنة على الجانب الجمالي فقط، بل حملت بعدًا طبيًا واضحًا. فالكحل، الذي اشتهرت به العيون المصرية، كان يُحضّر من معادن مطحونة بعناية ويُخلط بزيوت نباتية، ويُستعمل لحماية العين من الالتهابات وأشعة الشمس، وقد أثبتت دراسات حديثة أن بعض مكوناته تحفّز الجهاز المناعي. كما استُعملت الزيوت العطرية، بعد تسخينها الخفيف وخلطها بالأعشاب، لحماية الجلد من الجفاف ولدغات الحشرات.
واختارت الحضارة المصرية مكوناتها بعناية، إذ اعتُبرت بعض النباتات مقدسة، مثل شجرة المورينغا التي لُقبت بـ“شجرة الحياة”، واللبان والمرّ اللذين استُعملا في الجمال والطب والتحنيط، إضافة إلى الحناء التي كانت تُطحن وتُمزج بالماء أو الزيوت لتغذية الشعر وتقوية فروة الرأس، وليس للزينة فقط.
ويمثل جمال الملكات، وعلى رأسهن كليوباترا، امتدادًا لهذا الإرث العريق، حيث اشتهرت بحمّامات الحليب والعسل، وباستعمال زيوت اللوتس والورد بعد نقع بتلاتها في زيوت دافئة، وهي ممارسات تعود جذورها إلى تقاليد فرعونية موثّقة في البرديات. ويُرجّح أن وصفاتها الخاصة لم تكن سوى تطوير لوصفات أقدم متوارثة داخل القصر الملكي.
في الفكر المصري القديم، كان الجمال انعكاسًا لتوازن الجسد ونقاء الروح، واحترامًا للجسد الذي سيُبعث في العالم الآخر. لذلك لم تكن العناية بالبشرة فعلًا يوميًا عابرًا، بل طقسًا متكاملًا، تُحضّر فيه الوصفات بدقة وصبر، وتُستعمل بانتظام، في انسجام مع فلسفة حياة سبقت عصرها بقرون.
وهكذا تكشف برديات مصر القديمة أن نساء الفراعنة لم يطاردن الجمال بوصفه خدعة لإخفاء الزمن، بل فهمنه علمًا يُمارس، ومعرفة تُصنع باليد والعقل معًا، لتبقى وصفاتهم شاهدًا خالدًا على حضارة عرفت سرّ الجمال الحقيقي… قبل أن يسميه العالم علمًا بآلاف السنين.







