منوعات

مخطوطة فوينيتش… الكتاب الذي حيّر العالم منذ ستة قرون

في عالمٍ استطاع فيه الإنسان فكّ شيفرات الحروب، وقراءة جينات الحياة، والوصول إلى أطراف الكون، ما تزال مخطوطة صغيرة من العصور الوسطى تقف عصيّة على الفهم، متحدّيةً أذكى العقول وأقوى التقنيات. إنها مخطوطة فوينيتش، واحدة من أغرب وأصدق الألغاز الموثقة في تاريخ البشرية.
تعود هذه المخطوطة، بحسب تحاليل الكربون المشع، إلى الفترة ما بين 1404 و1438 ميلادية، وهي محفوظة اليوم في مكتبة جامعة ييل الأمريكية ضمن قسم المخطوطات النادرة. تتكون من نحو 240 صفحة مكتوبة بخط يدوي دقيق على رقّ جلدي، ومرفقة برسومات نباتية وفلكية وبيولوجية لا تشبه أي شيء معروف في تاريخ العلوم أو اللغات.
ما يثير الدهشة أن النص المكتوب داخل المخطوطة ليس عشوائياً، بل يخضع لقواعد لغوية دقيقة. دراسات لغوية وإحصائية حديثة أثبتت أن النص يلتزم بما يُعرف بـ«قانون زيف»، وهو قانون لا يظهر إلا في اللغات الطبيعية الحقيقية مثل العربية واللاتينية والصينية، ما يؤكد أن الكاتب كان يعبّر عن معنى حقيقي، لا عن رموز عبثية أو خدعة متقنة.
الأبحاث الميكروسكوبية للحبر أظهرت أن الكاتب كان يكتب بطلاقة وثقة، دون تردد أو تصحيحات تُذكر، وكأنه يستخدم لغة مألوفة لديه. هذا المعطى وحده أطاح بنظرية الخدعة، إذ إن إنشاء نص بهذا الانتظام والتماسك دون معنى يُعد شبه مستحيل في القرن الخامس عشر.
وتزداد غرابة المخطوطة عند التمعّن في بنيتها الداخلية، فهي ليست كتاباً واحد الموضوع، بل أشبه بموسوعة علمية غامضة. تضم قسماً للنباتات، حيث تظهر رسومات لأعشاب لا تنتمي لأي تصنيف نباتي معروف، وقسماً فلكياً مليئاً بدوائر وأبراج غير مألوفة، وقسماً بيولوجياً يصوّر نساءً داخل أنابيب وقنوات مائية غريبة، إضافة إلى قسم صيدلاني وآخر للوصفات القصيرة. هذا التنظيم المنهجي يعكس عقلاً علمياً دقيقاً، لا خيالاً اعتباطياً.
أكثر من 90 في المئة من النباتات المرسومة في المخطوطة لا تطابق أي نبات معروف، وبعضها يبدو مزيجاً بين أكثر من نوع، ما دفع باحثين إلى افتراض أنها إما نباتات طبية اندثرت، أو رموز مشفّرة لمعانٍ أخرى، وهو أسلوب كان معروفاً في كتب الطب القديمة.
ورغم محاولات فك لغزها من قبل علماء لغات وخبراء تشفير ووكالات استخبارات، بل وحتى باستخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل الأنماط الحاسوبية، فإن لغة المخطوطة ما تزال مجهولة. بعض الفرضيات الحديثة ترجّح أنها مكتوبة بلغة طبيعية منقرضة، أو بلغة شفوية لم تُكتب من قبل، جرى تحويلها لأول مرة إلى رموز خاصة.
ولا تخلو المخطوطة من إشارات مثيرة للجدل حول احتمال تأثرها بالمعرفة العربية-الإسلامية، إذ لاحظ بعض الباحثين تشابهاً بين بنيتها وتنظيمها وبين كتب الطب والفلك في الأندلس، إضافة إلى رموز مائية تشبه أنظمة الحمّامات والهندسة المائية المعروفة في الحضارة الإسلامية، دون وجود دليل قاطع يحسم هذا الارتباط.
انتقلت المخطوطة عبر قرون بين أطباء وعلماء وبلاطات أوروبية، من بينها بلاط الإمبراطور رودولف الثاني، قبل أن يشتريها تاجر الكتب النادرة ويلفريد فوينيتش سنة 1912، الذي حملت المخطوطة اسمه منذ ذلك الحين.
اليوم، تُعد مخطوطة فوينيتش أكثر من مجرد لغز تاريخي؛ إنها تذكير صريح بحدود المعرفة البشرية، ودليل على أن التاريخ لا يزال يحتفظ بأسرار لم تُكشف بعد. كتاب صامت، حقيقي، موثّق، موجود بين أيدينا… لكنه يرفض، حتى الآن، أن يبوح بسرّه.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا