سياحة

الحسيمة… مدينة البحر والجبل، وذاكرة الريف الحيّة

تتربّع مدينة الحسيمة شمال المغرب كإحدى أكثر المدن فرادةً وجاذبية على الساحل المتوسطي، حيث يلتقي زرقة البحر الأبيض المتوسط بصلابة جبال الريف في مشهد طبيعي يأسر العين ويمنح المكان هوية استثنائية. ليست الحسيمة مجرد مدينة ساحلية، بل فضاء إنساني وتاريخي يحمل في عمقه ذاكرة الريف، وروح المقاومة، وقصة مدينة اختارت الهدوء عنواناً، والصمود سلوكاً.
نشأت الحسيمة في صيغتها الحديثة خلال فترة الحماية الإسبانية سنة 1925 تحت اسم “فيلا سانخورخو”، قبل أن تستعيد هويتها المغربية بعد الاستقلال. ورغم حداثة عمرانها مقارنة بمدن مغربية عتيقة، فإن المنطقة التي تحتضنها ضاربة في التاريخ، ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً بملحمة المقاومة الريفية، وبشخصية محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي ما تزال أفكاره ورمزيته حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية للمنطقة.
يمنح الموقع الجغرافي للحسيمة طابعها الخاص؛ فهي مدينة محاصَرة بالجبل ومفتوحة على البحر في آن واحد، ما يجعل مناخها معتدلاً أغلب فصول السنة، ويخلق تنوعاً بيئياً نادراً. هذا التلاقي بين الطبيعة القاسية والجمال الهادئ شكّل شخصية المدينة وساكنتها، حيث يظهر التوازن بين الصلابة والسكينة في تفاصيل الحياة اليومية.
وتُعد شواطئ الحسيمة من أجمل شواطئ المغرب وأكثرها نقاءً، بفضل طبيعتها شبه البكر وبعدها عن الاكتظاظ العمراني. شاطئ كيمادو، صباديا، تلا يوسف وكالا إيريس ليست مجرد فضاءات للسباحة، بل أماكن للاستجمام والتأمل، حيث يحضر البحر كجزء من الذاكرة والهوية، لا كمورد اقتصادي فقط.
وتتوج حديقة الحسيمة الوطنية هذا الغنى الطبيعي، باعتبارها واحدة من أهم المحميات البيئية في المغرب، تمتد بين البر والبحر، وتضم تنوعاً بيولوجياً غنياً من نباتات وحيوانات نادرة. هذا المنتزه يمنح المدينة بعداً إيكولوجياً مهماً، ويفتح آفاقاً حقيقية للسياحة البيئية وسياحة المشي الجبلي، التي بدأت تفرض نفسها كبديل تنموي مستدام يحترم البيئة ويخلق فرص عيش محلية.
اقتصادياً، يشكّل الصيد البحري العمود الفقري لاقتصاد الحسيمة، حيث يُعد ميناء المدينة قلبها النابض، ومصدراً رئيسياً لعيش آلاف الأسر. البحر هنا ليس مجرد أفق مفتوح، بل عنصر يومي في حياة السكان، ينعكس في المطبخ المحلي، وفي العادات، وفي علاقة الإنسان بالمكان. وإلى جانب الصيد، تلعب السياحة دوراً متنامياً، خاصة خلال فصل الصيف، حين تتحول الحسيمة إلى وجهة مفضلة للمغاربة، خصوصاً أفراد الجالية المقيمة بالخارج.
وفي هذا السياق، يبرز مطار الشريف الإدريسي كمنشأة حيوية لفك العزلة الجغرافية عن المدينة، وربطها بالخارج، لا سيما خلال موسم العبور الصيفي. وقد ساهم المطار في تعزيز جاذبية الحسيمة، رغم استمرار تطلعات الساكنة إلى توسيع شبكة الرحلات وتحسين الربط الجوي بشكل دائم.
غير أن تاريخ الحسيمة لم يخلُ من المحن، إذ عرفت المدينة زلزالين قويين سنتي 1994 و2004، خلّفا آثاراً إنسانية ونفسية عميقة. هذه التجارب القاسية شكّلت منعطفاً في وعي المدينة، وساهمت في إعادة التفكير في التعمير، وفي إبراز قيم التضامن والتماسك الاجتماعي، حيث أثبتت الساكنة قدرة لافتة على الصمود وإعادة البناء.

ثقافياً، تنتمي الحسيمة إلى عمق الريف الأمازيغي، حيث تشكّل اللغة الأمازيغية الريفية، والأغنية المحلية، والشعر الشفوي، والعادات الاجتماعية جزءاً لا يتجزأ من الهوية الجماعية. وقد أنجبت المدينة والمنطقة المحيطة بها فنانين ومثقفين وناشطين تركوا بصمتهم في المشهد الثقافي والحقوقي المغربي، ما جعل الحسيمة حاضرة بقوة في النقاش العمومي الوطني.
ورغم ما تحقق من تطور نسبي، ما تزال المدينة تواجه تحديات في مجالي الصحة والتعليم، خاصة في ما يتعلق بالتخصصات الطبية الدقيقة والبنيات الجامعية، وهي إكراهات كثيراً ما شكّلت موضوع مطالب اجتماعية ونقاشات عمومية، تعكس طموح الساكنة إلى تنمية متوازنة وعادلة.
في المخيال المغربي، تحتل الحسيمة مكانة خاصة؛ مدينة بعيدة عن صخب الحواضر الكبرى، لكنها قريبة من الوجدان الوطني. مدينة تحمل ذاكرة المقاومة والهجرة، وتختزل علاقة خاصة بين الإنسان وأرضه. إنها مدينة لا تُغريك بالضجيج، بل تدعوك إلى الإصغاء… إلى البحر، إلى الجبل، وإلى حكايات الريف التي لا تنتهي.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا