
يُعد الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه، الملقب بـ “سلمان الخير” و”سلمان المحمدي”، واحدة من أكثر الشخصيات إلهاماً في التاريخ الإسلامي، فهو الرجل الذي قطع الفيافي والقفار في رحلة وجودية كبرى بدأت من بلاد فارس وصولاً إلى المدينة المنورة، بحثاً عن الدين الحق واليقين الذي يملأ قلبه. ولد سلمان في أصبهان لأبٍ كان سادناً للنار في المجوسية، لكن فطرته السليمة دفعته للتمرد على موروث آبائه، فهرب إلى الشام ليتعلم المسيحية، ومن ثم تنقل بين الموصل ونصيبين وعمورية، ملازماً للرهبان والعلماء الربانيين الذين بشروه بقرب ظهور نبي في أرض العرب يهاجر إلى أرض ذات نخل بين حرتين، ويحمل علامات نبوة لا تخطئها العين، منها أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة وبين كتفيه خاتم النبوة. وفي طريق سعيه، تعرض للغدر وبيع عبداً في القوافل، لينتهي به المطاف في يثرب مملوكاً لأحد اليهود، وهناك تحققت نبوءة الرهبان بلقائه بالنبي ﷺ، فأعلن إسلامه بعد أن عاين علامات النبوة عياناً بياناً، ثم أعانه الرسول وأصحابه على نيل حريته بمكاتبة سيده، ليغدو منذ ذلك الحين عضواً فاعلاً في نسيج المجتمع الإسلامي الجديد، بل ووصل إلى مكانة رفيعة جعلت النبي ﷺ يقول فيه قوله الخالد: “سلمان منا أهل البيت”.
ولم يقتصر حضور سلمان في التاريخ الإسلامي على جانبه الروحي فحسب، بل كان مفكراً استراتيجياً ورجلاً عسكرياً فذاً، تجلى أثر خبرته الفارسية في غزوة الخندق حين أشار على المسلمين بحفر خندق يحمي المدينة، وهي خطة دفاعية لم تكن تألفها العرب من قبل، وكانت سبباً رئيسياً في صد أحزاب المشركين. كما برزت شخصيته في فقه التوازن والاعتدال، وهو الذي علم الصحابة أن التدين لا يعني الانقطاع التام عن الحياة، بل هو إعطاء كل ذي حق حقه من الرب والنفس والأهل، في درس تربوي أقره النبي ﷺ. وعندما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية وفتحت المدائن، عاصمة إمبراطورية كسرى التي نشأ فيها، عاد إليها سلمان لا غازياً بل فاتحاً وهادياً وأميراً، فكان يتحدث إلى أهلها بلغتهم ويدعوهم إلى الإسلام بعدل ورحمة، وقد ضرب أروع الأمثلة في الزهد السياسي حين تولى إمارتها؛ فكان يسكن بيتاً متواضعاً، ويصنع الخوص بيده ليقتات من عمله متصدقاً براتبه من بيت المال، وظل على هذا النهج من البساطة والتقوى حتى وفاته في خلافة عثمان بن عفان، مخلفاً وراءه إرثاً من الحكمة نُقل في أمهات المصادر التاريخية مثل “سير أعلام النبلاء” للذهبي و”الإصابة” لابن حجر، ليظل نموذجاً عالمياً للإنسان الذي لا تحده حدود جغرافية أو عرقية في سبيله نحو الحق المطلق.







