
بين مطرقة القضاء وسندان السلطة، ينسج نتنياهو من خيوط الحرب رداءً لبقائه الشخصي، محولاً جبهات القتال إلى درعٍ يحميه من السقوط المتربص به خلف صمت المدافع؛ إنها قراءة في عقلية “لاعب الشطرنج” الذي يرهن استقرار الشرق الأوسط بأسره مقابل الحفاظ على كرسيه، بانتظار رياح واشنطن لتُغير مجرى التاريخ.
1. لغز الصراع وسر البقاء الشخصي
في قلب المشهد الإسرائيلي المتفجر، يبرز تساؤل محوري حول السر الذي يطويه بنيامين نتنياهو ويحجبه عن الجميع: لماذا الإصرار على إبقاء جبهات إسرائيل مشتعلة ورفض إنهاء الصراع؟ الحقيقة التي يهرب منها نتنياهو إلى الأمام هي أن نهاية الحرب تمثل “نهاية مستقبله السياسي” وبداية حقبة المحاكمات والسجون. السر يكمن في أن الحرب بالنسبة له ليست مجرد أداة عسكرية، بل هي “درع حماية” شخصي ضد ملاحقات القضاء ورياح المحاسبة العاتية التي ستعقب صمت المدافع.
2. محركات التمسك بالنزيف المستمر
يتمسك نتنياهو بالحرب كخيار وحيد لعدة أسباب بنيوية وجوهرية:
تأجيل ساعة الحساب: يهدف إلى وأد أي محاولة للتحقيق في “إخفاقات 7 أكتوبر”، مدركاً أن أي استراحة للمحارب تعني استيقاظاً لملفات الإهمال والقصور.
رهينة الائتلاف اليميني: يعتمد بقاء حكومته على وزراء متطرفين (مثل سموتريتش وبن غفير) يهددون بإسقاط الائتلاف فور التوصل لأي صفقة أو وقف لإطلاق النار، مما يجعله يفضل استمرار الدماء على انهيار الكرسي.
هوس الأمجاد التاريخية: يسعى لتحقيق “نصر مطلق” يمحو به وصمة الفشل، ويطمح لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط ليدخل التاريخ كقائد غير الجغرافيا، لا كسياسي أطاحت به الأزمات.
3. استراتيجية “الجبهات المفتوحة” والسيولة العسكرية
يرفض نتنياهو إنهاء الصراع ويتبنى نهج “الحروب الطويلة” لاستنزاف الخصوم (حماس وحزب الله) وإشغال الرأي العام بخطر وجودي دائم. هو لا يبحث عن “حسم” يفرض أسئلة “اليوم التالي” السياسية، بل يبحث عن حالة “اللاحرب واللاسلم”. هذه السيولة العسكرية تمنحه “شرعية الطوارئ”، وتخرس ألسنة المعارضة، وتجعل من الخطر شماعة يعلق عليها تآكل الاقتصاد وتصدع البنيان الداخلي.
4. البعد الإقليمي: هل هو “يد ترامب” في المنطقة؟
يطرح المراقبون تساؤلاً حول طبيعة علاقته بالقوى الكبرى؛ فالواقع يشير إلى مراهنة كبرى على عودة دونالد ترامب. نتنياهو يمارس لعبة “تقطيع الوقت” واستنزاف الإدارة الحالية بانتظار حليف يمنحه “الضوء الأخضر المطلق” لتنفيذ مخططاته (مثل الضم والاستيطان) دون ضغوط بخصوص “حل الدولتين”. هو يعمل كمن ينتظر “المخلص” ليتجاوز قيود واشنطن الراهنة.
5. الأبعاد الاقتصادية والسيكولوجية المضافة
الاقتصاد السياسي للحرب: يستغل نتنياهو الحرب لتطويع الميزانية وتحويلها نحو قطاع الأمن والمستوطنات، مع تحويل الميدان إلى “مختبر حي” لأحدث التقنيات العسكرية الإسرائيلية لضمان تفوق تكنولوجي عالمي.
عقدة شمشون وسيكولوجية القلعة: يلعب على وتر “العالم كله ضدنا” (سيكولوجية القلعة) ليحشد الالتفاف الشعبي. هو مصاب بـ”قدرية سياسية” تجعله يرى نفسه المنقذ الوحيد، وهو مستعد لتحطيم الهياكل الوطنية (عقدة شمشون) في سبيل ألا يسقط هو، متبنياً مبدأ “أنا ومن بعدي الطوفان”.
6. السيناريوهات الخطيرة والآفاق القاتمة
تستشرف الورقة ثلاثة مسارات كارثية نتيجة هذا التعنت:
المحرقة الإقليمية: الانزلاق نحو حرب شاملة تشمل إيران لجر الولايات المتحدة لقلب الصراع وتغيير موازين القوى جذرياً.
الاستيطان الإحلالي: تحويل العمليات العسكرية في غزة إلى واقع استيطاني دائم وفرض تغيير ديموغرافي قسري.
الزلزال الداخلي: وصول الانقسام المجتمعي إلى نقطة الانفجار بين عائلات الأسرى واليمين المتطرف، مما قد يؤدي لصدامات وفوضى داخلية غير مسبوقة.
المنطقة اليوم ليست رهينة لنزاع سياسي تقليدي، بل هي رهينة لـ “نرجسية سياسية” ترى في استمرار الحرب غاية تبرر فناء الاستقرار. نتنياهو لا يبحث عن مخرج، بل يبحث عن “استمرارية” تجعل من الحرب هي “الوضع الطبيعي الجديد” الذي يحميه، مما يجعله يضحي بكل القطع على رقعة الشطرنج لحماية “الملك”.







