
يُعد الخليفة الخامس في الدولة العباسية، هارون الرشيد بن محمد المهدي، الشخصية الأكثر حضوراً وجدلاً في التاريخ الإسلامي والعالمي على حد سواء؛ فهو الملك الذي دانت له المشارق والمغارب، والخليفة الذي اقترن اسمه بأوج الازدهار الحضاري والعسكري، وُلد الرشيد في مدينة “الري” عام 148هـ، ونشأ في بيت الخلافة تحت رعاية والده المهدي وأدّبه كبار العلماء، مما صقل شخصيته القيادية مبكراً، حيث قاد الحملات العسكرية ضد الروم وهو لا يزال شاباً، ليُلقب بـ “الرشيد” تقديراً لحكمته وحسن تدبيره، وقد تولى الرشيد الخلافة عام 170هـ، لتبدأ معه حقبة وصفها المؤرخ ابن خلدون بأنها “الدولة التي لم ترَ مثلها الدنيا”، ففي عهده تحولت بغداد إلى “قِبلة العالم” ومنارة للعلم والتجارة، حيث أسس “بيت الحكمة” الذي صار أكبر مجمع علمي في العصور الوسطى، تُترجم فيه أمهات الكتب اليونانية والهندية والفارسية إلى العربية، ولم يكن الرشيد مجرد راعٍ للعلم، بل كان فقيهاً متواضعاً للحق؛ تذكر المصادر التاريخية كـ “البداية والنهاية” لابن كثير أنه كان يحج عاماً ويغزو عاماً، وكان يصلي في اليوم مائة ركعة تطوعاً، ويحب العلماء ويجالسهم، ويتقبل نصيحة الزهاد بدموعٍ تبلل لحيته، مما يعكس جانباً روحياً عميقاً في شخصيته، وعسكرياً وسياسياً، حافظ الرشيد على هيبة الدولة بصرامة منقطعة النظير، وتجلى ذلك في ردوده الحاسمة على نقفور ملك الروم في رسالته الشهيرة: “من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم.. الجواب ما تراه لا ما تسمعه”، ليتبعها بفتح حصون الروم وفرض الجزية عليهم.
أما على الصعيد الداخلي، فقد شهد عهده الحادثة التاريخية الكبرى المعروفة بـ “نكبة البرامكة”، حيث استأصل شأفتهم بعد أن تعاظم نفوذهم داخل مفاصل الدولة، وهي الحادثة التي حللها المؤرخون كـ “الطبري” و”المسعودي” كضرورة سياسية لحماية عرش الخلافة من الاستبداد الفارسي المتغلغل، إذ يرى ابن خلدون أن السبب الحقيقي لم يكن القصص الرومانسية، بل لأن البرامكة استبدوا بالأموال وتصرفوا في شؤون الدولة دون الرجوع للخليفة، فقرر في ليلة واحدة قتل جعفر البرمكي وسجن الباقين ليعيد مركزية القرار لبيت الخلافة العربي، ولم يقتصر صدى الرشيد على الشرق، بل امتد لقلب أوروبا، حيث تذكر المصادر اللاتينية والحوليات الملكية الفرنجية تبادله الهدايا والرسائل مع الإمبراطور “شارلمان”، ومن أشهر تلك الهدايا الساعة المائية البرونزية التي أذهلت بلاط الفرنجة بآلياتها المعقدة وفوارسها الذين يخرجون عند رأس كل ساعة، حتى ظنوا أن بداخلها شياطين تحركها، كما أرسل له مفاتيح القبر المقدس في القدس كبادرة رمزية للتحالف السياسي.
ورغم أن الخيال الأدبي في “ألف ليلة وليلة” قد صوره أحياناً في مجالس اللهو، إلا أن التحقيق التاريخي الرصين يثبت أن الرشيد كان رجل دولة من الطراز الأول، جمع بين حزم الملوك وورع العباد، وكان يحمل إبريق الماء ليصب على يد العالم “أبو معاوية الضرير” تكريماً لعلمه، وفي عهده بلغت جباية الدولة أرقاماً فلكية جعلته ينظر إلى سحابة تمر في السماء ويقول كلمته الشهيرة: “أمطري حيث شئتِ، فسيأتيني خراجُكِ”، إشارة لاتساع رقعة سيادته، كما أنشأ أول مستشفى متطور “بيمارستان” في بغداد وجعل العلاج فيه مجانياً، ورغم هذه العظمة، قضى الرشيد أيامه الأخيرة وحيداً في مدينة “طوس” عام 193هـ وهو في خضم حملة عسكرية، حيث أمر بحفر قبره بيده وهو ينظر إليه ويبكي تالياً قوله تعالى “ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه”، ليدفن هناك مخلفاً وراءه إرثاً حضارياً جعل من عصره معياراً للرقي والسيادة الإسلامية عبر العصور







