منوعات

​التبغ: من طقوس “الآلهة” إلى آلة القتل الصناعية

​بدأت قصة التدخين قبل آلاف السنين في قارة أمريكا، حيث كان السكان الأصليون (الهنود الحمر) هم أول من دخن التبغ. لم يكن التدخين حينها مجرد عادة يومية، بل كان طقساً دينياً واجتماعياً يُستخدم في الاحتفالات الدينية، وعقد معاهدات السلام، وحتى في العلاج الشعبي لاعتقادهم أن الدخان يطرد الأرواح الشريرة ويقربهم من الآلهة. واكتشف العالم القديم (أوروبا) التدخين عن طريق الصدفة سنة 1492م، عندما وصل “كريستوفر كولومبوس” إلى جزر الكاريبي. هناك، شاهد بحارته السكان الأصليين وهم يستنشقون دخان لفافات من أوراق جافة تسمى “تاباكو”. عاد البحارة بهذه الأوراق إلى أوروبا، لتبدأ رحلة انتشار التبغ كـ “موضة” أرستقراطية في البداية، ثم كعلاج مزعوم للصداع والأمراض الجلدية، قبل أن تغزو السجائر العالم مع اختراع آلات التصنيع الكثيفة في أواخر القرن التاسع عشر.
​وبينما كان الهنود الحمر يدخنون منذ العصور القديمة، كان البحار الإسباني رودريغو دي خيريز (أحد رفاق كولومبوس) هو أول من أدخل عادة التدخين إلى أوروبا. والمفارقة التاريخية هي أن “مفتشي محاكم التفتيش” عندما رأوا الدخان يخرج من فمه وأنفه، ظنوا أن الشيطان قد تلبّسه، فألقوا به في السجن لمدة 7 سنوات. وعندما خرج، وجد أن التدخين قد أصبح موضة منتشرة في كل مكان! ومن الجدير بالذكر أن اسم “نيكوتين” مشتق من اسم “جان نيكوت”، وهو سفير فرنسا في البرتغال خلال القرن السادس عشر. كان نيكوت هو من أرسل بذور التبغ إلى ملكة فرنسا “كاترين دي ميديشي” للتعافي من صداعها النصفي، مما جعل التبغ يُعرف لفترة طويلة باسم “عشبة الملكة” أو “عشبة السفير”، قبل أن يكتشف العلم لاحقاً أن المادة التي أهداها للملكة هي أكثر المواد إدماناً في العالم.
​قبل القرن التاسع عشر، كان التدخين يتم عبر الغليون (البايب) أو السيجار الغالي الثمن. لكن التحول الجذري حدث في عام 1880 عندما اخترع “جيمس بونساك” أول آلة لصناعة السجائر آلياً. قبل الآلة، كان العامل المحترف يلف حوالي 4 سجائر في الدقيقة، أما بعد الآلة، أصبحت الآلة تنتج 200 سيجارة في الدقيقة (واليوم تنتج الآلات الحديثة 20,000 سيجارة في الدقيقة). هذا الانفجار في الإنتاج أدى إلى انخفاض الأسعار، مما جعل “الموت” متاحاً للفقراء والأغنياء على حد سواء. كما لعبت الحروب العالمية دوراً محورياً في نشر التدخين؛ ففي الحرب العالمية الأولى والثانية، كانت السجائر تُصرف كجزء أساسي من الحصص الغذائية للجنود بهدف تهدئة أعصابهم في الخنادق، لكن النتيجة كانت عودة الملايين من الجنود إلى بلدانهم وهم يعانون من إدمان قاتل، مما حوّل التدخين من عادة نخبوية إلى “وباء شعبي” عالمي.
​تحول التدخين إلى “صناعة موت” منظمة لعدة أسباب تقنية وتجارية خطيرة؛ فالسجائر الحديثة ليست مجرد تبغ، بل هي مزيج معقد يضم أكثر من 7000 مادة كيميائية، منها ما لا يقل عن 70 مادة مسببة للسرطان (مثل الزرنيخ، الرصاص، والسيانيد). وصممت الشركات السجائر لتوصيل النيكوتين إلى الدماغ في ثوانٍ معدودة عبر فخ النيكوتين، مما يخلق حالة من الإدمان تضاهي إدمان الهيروين. وتصنف منظمة الصحة العالمية التدخين كأكبر تهديد للصحة العامة، حيث يقتل أكثر من 8 ملايين شخص سنوياً، منهم أكثر من مليون شخص يموتون بسبب “التدخين السلبي”. وتُنفِق شركات التبغ المليارات على الإعلانات التي تستهدف الشباب؛ ففي عشرينيات القرن الماضي، أطلقت حملة “مشاعل الحرية” لإقناع النساء بالتدخين كرمز للتحرر. كما استعانت الشركات في منتصف القرن العشرين بأطباء بالوزرة البيضاء في إعلاناتها لطمأنة الجمهور، بينما كانت أبحاثها السرية تؤكد الصلة بالسرطان منذ الخمسينيات.
​الأمر لا يتعلق فقط بالتبغ، بل بما تفعله المصانع داخل “اللفافة البيضاء”: تضاف مادة “الكاكاو” و”العرقسوس” لفتح القصبات الهوائية لتسمح للدخان بالوصول لأعماق الرئة، وتضاف “الأمونيا” لتحويل النيكوتين إلى شكل “حر” يمتص في الدماغ بسرعة البرق. حتى “الفلاتر” وخدعة “اللايت” (Light) لم تكن إلا خدعة بصرية؛ فالثقوب الصغيرة في الفلتر تُغطى بالأصابع أثناء السحب، مما يجعل المدخن يستنشق نفس كمية القطران والنيكوتين بقوة أكبر. الموت لا يطال البشر فقط، بل الأرض أيضاً عبر إبادة الغابات (شجرة مقابل كل 300 سيجارة) والنفايات السامة لأعقاب السجائر التي لا تتحلل. إنها تجارة تبيع الموت المغلف، حيث تربح الشركات حوالي مليون دولار مقابل كل شخص يموت، واضعة الأرباح المادية فوق قيمة الروح البشرية.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا