لم تكن “ليلة النهائي” بين المغرب والسنغال مجرد مباراة لكرة القدم، بل كانت تجلياً لبعثٍ حضاري جديد تقوده رؤية متبصرة لمولانا صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، رؤيةٌ جعلت المغرب يحلق في عنان السماء، لا بمدنه وملاعبه فحسب، بل بقيمه التي استعصت على الزمان. بدأت الحكاية قبل المباراة بيومين، حين أصدر الاتحاد السنغالي بلاغاً شديد اللهجة يشتكي فيه من غياب الأمن وعدم صلاحية الفندق، مدعياً أن الجماهير استقبلت بعثتهم بالتهديد والوعيد عند نزولهم من قطار “البراق” في الرباط، والحقيقة الساطعة أنهم هم من سربوا توقيت رحلتهم وتوقيت نزولهم من القطار عمداً، ومع ذلك استقبلتهم القلوب قبل الأحضان، بل إن الوفد السنغالي صال وجال في طنجة وصلّوا أربع جُمعات جماعةً وسط الجموع الغفيرة التي استقبلتهم بحفاوة وترحاب منقطع النظير، ليأتي رد الخارجية السنغالية لاحقاً كصفعة للمرجفين، حيث أصلحت ما لا يمكن إصلاحه عبر الإشادة بحسن التنظيم المغربي والإقرار بأن العلاقات الثنائية بين البلدين ممتازة.
لكن الحرب الإعلامية لم تتوقف، فقد جرى شحن الجماهير السنغالية لانتظار الأسوأ وإقناعهم بأن الخسارة لن تكون إلا بـ”المؤامرة والكولسة” لخلق البلبلة والضغط على المغرب البلد المنظم. ووصل الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث تتبعنا في الفيديوهات الخاصة أطراً من الوفد السنغالي يرشون على أرضية الملعب مواداً – على حسب الفهم – هي أقرب للسحر والشعوذة، ناهيك عن قصة المنشفة والتمائم، في محاولات بائسة نسوا معها قول الحق سبحانه: “ولا يفلح الساحر حيث أتى”. وتواصلت فصول الاستفزاز من الانسحاب من الملعب والهتافات المسيئة، والجماهير التي أرادت اختراق الملعب والتطاول على الأمن، وهي كلها تدخل في باب الاستفزاز الممنهج، وصولاً إلى لحظة ضربة الجزاء التي أكاد أجزم أن اتفاقاً وقع بين اللاعبين والأطر على إضاعتها وإعطائها لإبراهيم دياز بالخصوص؛ ذلك الفتى المحبوب الذي يدرك الجميع أن شعبيته في قلوب المغاربة ستغفر له انكساره ولن يطالبه أحد بشيء، في حين لو أُعطيت لأي لاعب آخر لقام المغاربة بجلده نقدًا، وكأنها حيلة لامتصاص غضب الجماهير.
فنيًا، كان الأجدر بوليد الركراكي بعد مسيرته الطويلة الدفع بلاعبين لديهم طراوة بدنية عالية بدل الاعتماد على خطة واحدة حفظها الخصم واللاعبون والجمهور، فكان الإخفاق نتيجة قراءة تقنية ضعيفة لمجريات المباراة. لكن، وبغض النظر عن الكأس، قدم المغرب بطولة عالمية ارتقى بها في عيون الكون بالجودة في كل شيء؛ فلأول مرة في تاريخ هذه البطولة يتوفر لكل منتخب ملعب خاص وفندق خمس نجوم، في حين كانت المنتخبات في دورات سابقة تنام في الداخليات والمقرات السجنية وسط ملاعب كارثية دون أن تشتكي. لقد رأى العالم في هذه البطولة جزءاً من حياة المغرب والمغاربة فانبهروا، فكيف بهم لو رأوا كل شيء؟ إنها رسالة مفادها أننا أعظم أمة، شعب مضياف كريم وقوي استعصى في الماضي على أعتى الإمبراطوريات وسيبقى عصياً بفضل لحمة أهله وملكه. أما تلك الدول العربية الأفريقية المارقة التي احتفلت بفوز السنغال، فقد أثبتت أن حقدها وصل لدرجة المرض، وأتحدى من اليوم أي دولة تتهرب من تنظيم “الكان” خوفاً من المقارنة مع المعايير المغربية. شكراً لفوزي لقجع الذي كان على قدر المسؤولية، وللسيد عبد اللطيف الحموشي ورجال الأمن الوطني، وللجنرال دوكور محمد حرمو ورجال الدرك الملكي،والوقاية المدنية وكل السلطات المختصة ولكل الفعاليات المدنية والإدارية. لقد وفيتم وأبدعتم، والقادم تحت قيادة عاهل البلاد سيكون أعظم، ولله درك يا مغرب العز


