أراء وكتاب

أزمة التدين المعاصر لدى بعض المسلمين: من الالتزام الأخلاقي إلى المظهر الزائف

عبد الله مشنون كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام

يُعدّ التدين أحد المفاهيم الإشكالية في الخطاب الديني المعاصر، ليس بسبب غموضه في النصوص المؤسسة، بل نتيجة سوء تمثّله في الواقع الاجتماعي. فقد جرى، في كثير من السياقات، اختزال التدين في مظاهر خارجية أو طقوس شكلية، مع إغفال أبعاده القيمية والسلوكية التي تشكّل جوهره الحقيقي. هذا الاختزال لا يعبّر عن روح الدين، بقدر ما يعكس فهمًا قاصرًا لطبيعته ووظيفته في حياة الفرد والمجتمع.

التدين في جوهره ليس حالة انعزالية ولا مجرد سلوك استعراضي، بل هو وعي أخلاقي شامل يترجم الإيمان إلى ممارسات يومية قائمة على الصدق والعدل والمسؤولية واحترام الإنسان. فالإيمان، وفق المنظور الإسلامي، ليس مجرد قناعة ذهنية أو التزام شعائري، وإنما منظومة متكاملة تُقاس آثارها بمدى انسجام السلوك مع القيم التي يعلنها الفرد.

ومن هذا المنطلق، فإن معيار التقوى لا يرتبط بالمظهر أو الخطاب، بل بالقدرة على ضبط السلوك وفق ضوابط أخلاقية ثابتة، تجعل الإنسان عنصر توازن داخل محيطه، لا مصدر توتر أو صراع. فالتدين الواعي يعزّز قيم الرحمة والتسامح، ويحدّ من النزوع إلى الإقصاء أو التعالي الأخلاقي، الذي يُعدّ من أخطر مظاهر التدين الزائف.

كما أن التدين الحقيقي لا ينفصل عن الواقع، ولا يتناقض مع متطلبات الحياة المعاصرة، بل يوجّه الإنسان نحو الإتقان في العمل، والالتزام بالواجبات، والإسهام الإيجابي في الشأن العام. فالدين، في جوهره، لا يدعو إلى تعطيل العقل أو الانسحاب من المجتمع، وإنما إلى عمارة الأرض وتحقيق الصالح العام ضمن إطار قيمي منضبط.

وتزداد أهمية هذا الفهم في زمن تتكاثر فيه الخطابات المتشددة أو الشعبوية، التي توظّف التدين لأغراض رمزية أو أيديولوجية، وتُفرغه من بعده الإنساني.

وفي هذا السياق، تبرز إشكالية أكثر خطورة، تتمثل في توظيف التدين لأغراض دنيوية أو سلطوية أو رمزية، حيث يتحول الدين من منظومة قيمية تهذيبية إلى أداة لتحقيق مكاسب شخصية، أو لبناء صورة اجتماعية زائفة. فبعض الأفراد يتوسلون بالمظهر الديني والخطاب الوعظي لاكتساب الشرعية أو النفوذ، بينما تأتي ممارساتهم اليومية مناقضة تمامًا لمقتضيات الأخلاق الدينية، فيسود العنف اللفظي، والانفعال، وغلظة الطبع، وسرعة الخصومة، بما يُفرغ التدين من مضمونه، ويحوّله إلى قناع لا أكثر.

ويزداد هذا الخلل وضوحًا حين يقترن التدين الشكلي بسلوك عدائي تجاه الآخر، حيث يُختزل الاختلاف في ثنائية الإيمان والضلال، ويُستبدل الحوار بالإدانة، والتعايش بالإقصاء. هذا النمط من التدين لا يعكس قوة الإيمان، بقدر ما يكشف هشاشته، لأن التدين الذي لا يضبط الغضب، ولا يعلّم صاحبه سعة الصدر، ولا يثمر حكمة في التعامل، يفقد أحد أهم مقاصده، وهو تهذيب النفس.

وتتخذ هذه الإشكالية أبعادًا أكثر حساسية في سياق الجاليات المسلمة في المجتمعات الغربية، حيث يصبح السلوك الفردي محمّلًا بدلالات جماعية. فبعض الممارسات المتشددة أو العدوانية، الصادرة عن أفراد يقدّمون أنفسهم بوصفهم متدينين، تسهم – عن قصد أو غير قصد – في تنفير المحيط الاجتماعي من التدين الحقيقي، وتغذية الصور النمطية السلبية عن الإسلام والمسلمين. وهنا لا تكون المشكلة في الدين ذاته، بل في تمثّلاته المشوّهة، التي تختزل الإسلام في مظاهر صارمة، وتُقصي أبعاده الإنسانية والقيمية.

كما أن الشعور بالتفوّق الديني، الذي يتلبّس بعض المتدينين شكلاً، يُعدّ من أخطر الانحرافات المفاهيمية، إذ يُنتج خطابًا مشحونًا بالحقد والبغض، ويُغذّي وهم “الاصطفاء الأخلاقي”، حيث يرى صاحبه نفسه معيارًا للتقوى، ويضع الآخرين في خانة النقص أو الضلال. هذا المنطق لا ينسجم مع روح التدين، التي تقوم على التواضع، ومحاسبة الذات، والإقرار بحدود المعرفة البشرية، لا على ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.

إن هذه المظاهر، مجتمعة، تفرض ضرورة إعادة التأكيد على أن التدين لا يُقاس بالحدّة، ولا بالانغلاق، ولا بكثرة الإدانة، بل بمدى قدرة الإنسان على تجسيد القيم التي يدّعيها في سلوكه، وخاصة في تعامله مع المختلف. فكل تدين يُنتج عنفًا، أو كراهية، أو تعاليًا أخلاقيًا، هو تدين مأزوم في فهمه، مهما بدا منضبطًا في شكله.

إن إعادة الاعتبار لمفهوم التدين في بعده الجوهري تقتضي ربطه بالسلوك القابل للملاحظة والتقويم، لا بالشعارات أو الادعاءات. فالتدين الذي لا ينعكس في احترام الحقوق، وأداء الأمانات، وضبط العلاقات الإنسانية، يظل ناقصًا في معناه، مهما بدا مكتملًا في مظهره.

وخلاصة القول، إن التدين، في صورته الأصيلة، هو مشروع أخلاقي مستمر، يهدف إلى بناء الإنسان من الداخل، وتوجيه سلوكه في الخارج، بما يحقق التوازن بين الإيمان والعمل، وبين القيم الفردية والمسؤولية الاجتماعية. وكل فهم لا يستحضر هذا التلازم يظل قاصرًا عن استيعاب روح الدين ومقاصده.

Ahame Elakhbar | أهم الأخبار

جريدة أهم الأخبار هي جريدة مغربية دولية رائدة، تجمع بين الشمولية والمصداقية، وتلتزم بالعمل وفقًا للقانون المغربي. تنبع رؤيتها من الهوية الوطنية المغربية، مستلهمة قيمها من تاريخ المغرب العريق وحاضره المشرق، وتحمل الراية المغربية رمزًا للفخر والانتماء. تسعى الجريدة إلى تقديم محتوى يواكب تطلعات القارئ محليًا ودوليًا، بروح مغربية أصيلة تجمع بين الحداثة والجذور الثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا