
م يكن التزيين عبر التاريخ مجرد وسيلة للرفاهية أو محاولة عابرة لتحسين المظهر، بل كان مزيجاً عبقرياً من الطقوس الدينية، الحماية الصحية، والتعبير عن الذات. إذا بحثنا عن “المبتكر الأول” في غياهب الزمن، فسنكتشف أن المرأة القديمة لم تكن مستهلكة للجمال بل كانت مهندسته وكيميائيته الأولى، حيث حولت المواد الطبيعية الخام إلى فنون خالدة.
وادي النيل: قوننة الجمال وبداية الكيمياء
تعتبر المرأة المصرية القديمة الرائدة الأولى التي جعلت من “فن التجميل” نظاماً متكاملاً. فقد استخدمت الكحل (Mesdemet) بشكل احترافي، ولم يكن ذلك للزينة فحسب؛ فقد صُنع الكحل من مادة “الجالينا” (كبيرتيد الرصاص) لحماية العين من أشعة الشمس القوية وحشرات النيل. كما أن النساء في الأسرات الأولى استخدمن “الملاكيت” (خام النحاس الأخضر) لطلاء الجفون، والحناء لصبغ الشعر وتزيين الأيدي، وهو تقليد عابر للثقافات استمر لآلاف السنين.
وعن العناية بالبشرة، سجلت النقوش الأثرية أن الملكات، مثل حتب حرس (أم الملك خوفو)، امتلكن صناديق خاصة تحتوي على سبعة أنواع من الزيوت العطرية. واستخلصت المرأة الروائح من زهور اللوتس والزنبق، وخلطتها بالشحوم الحيوانية لصناعة كريمات مرطبة. كما اكتشفت خصائص “التنظيف العميق” عبر استخدام طمي النيل الغني بالمعادن كأقنعة للوجه، وخلط العسل بالحليب للترطيب، وهي ممارسات سبقت شهرة كليوباترا بقرون.
بلاد ما بين النهرين: عبقرية العطور والبريق
إذا أردنا اسماً محدداً وثقه التاريخ كأول كيميائية ومبتكرة لمواد التزيين، فهي “تابوتي-بيلت-إيكالي” (Tapputi). ذُكرت في ألواح طينية مسمارية من بابل (حوالي 1200 قبل الميلاد) كأول صانعة عطور، حيث كانت تستخدم الزهور والزيت والقصب العطري مع “المر”، وتقوم بتقطيرها وتصفيتها لإنتاج خلاصات ملكية، مما يعد أول توثيق لعملية مختبرية في التاريخ.
أما في مدينة “أور” السومرية (حوالي 2500 قبل الميلاد)، فقد ابتكرت الملكة “شبعاد” (Puabi) ما يمكن اعتباره “أحمر الشفاه” الأول. فقد وُجد في قبرها علب ذهبية تحتوي على مساحيق من صخور بيضاء مطحونة ممزوجة بأصباغ حمراء نباتية، مع إضافة مسحوق الأحجار الكريمة لمنح الشفاه لمعاناً فريداً.
هندسة المظهر: من الشعر إلى الأظافر
لم يتوقف الابتكار عند الوجه، بل امتد ليشمل أدوات دقيقة وهندسة معقدة:
الشعر المستعار: صممت النساء في مصر القديمة “الباروكات” من شعر بشري حقيقي مثبت بشمع العسل، واستخدمن الدهون المشبعة كـ “جيل” لتثبيت التسريحات.
طلاء الأظافر: في الصين القديمة (3000 ق.م)، بدأت النساء باستخدام مزيج من الأوركيد والورد وشمع العسل لتلوين الأظافر، ليعبرن عن الطبقة الاجتماعية.
الأدوات الأولى: ابتكرت النساء المرايا من النحاس المصقول والبرونز، وصنعن المراود (أعواد الكحل) من العاج والفضة، مما جعل عملية التزيين طقساً دقيقاً ومنظماً.
بينما يضيع اسم أول امرأة وضعت اللون على وجهها في عصور ما قبل التاريخ، يظل التاريخ ينظر إلى كاهنات المعابد وملكات الحضارات القديمة (مثل نيتيرت وكليوباترا وشبعاد وتابوتي) باعتبارهن المهندسات الأوائل. لقد جعلن من الجمال قيمة مقدسة ترتبط بالآلهة (مثل “حتحور” إلهة الحب)، وحولن الطبيعة إلى مرآة تعكس رقي النفس البشرية.







