عالم المرأة

​الجمال عند العرب: فلسفة الروح، سحر الطبيعة، وإرث الأناقة

​لطالما كان الجمال عند العرب مفهوماً عميقاً يتجاوز الشكل الخارجي ليمتزج بالعفة، والحياء، والفصاحة. فالمرأة العربية في الوجدان الشعبي والأدبي هي رمز للأنوثة الطاغية الممزوجة بالهيبة والوقار.
​فلسفة الجمال في الثقافة العربية
​لم يكن الجمال عند العرب مجرد ملامح، بل كان “هالة” متكاملة. في العصر الجاهلي وصدر الإسلام، تغنى الشعراء بصفات محددة اعتبروها مقاييس للجمال المطلق، ومنها:
​العيون المهاوية: تشبيهاً بعيون المها (البقر الوحشي)، وهي العيون الواسعة شديدة البياض وشديدة السواد مع رموش كثيفة.
​القد الممشوق: الميل إلى القوام المعتدل الذي يجمع بين الرشاقة والامتلاء في آن واحد.
​بشرة الصبح: البشرة الصافية التي شبهها الشعراء بملمس البيض أو صفاء الغمام.
​الشعر الفاحم: الشعر الأسود الطويل الذي يصل إلى الخصر، وكان يُعد تاجاً للمرأة وعنواناً لشبابها.
​المرأة العربية: أيقونة الأناقة الفطرية
​تميزت المرأة العربية عبر التاريخ بقدرتها على ابتكار طرق تبرز جمالها باستخدام موارد البيئة المحيطة. لم تكن الزينة مجرد ترف، بل كانت طقساً اجتماعياً يعبر عن المكانة والاعتزاز بالنفس. كانت المرأة في البادية والحضر تعتمد على البساطة التي تبرز الملامح الطبيعية دون طمسها.
​لم يقتصر الجمال عند العرب على الملامح فقط، بل ركزوا كثيراً على ما يسمى بـ “الخفر” (وهو الحياء الممزوج بالرزانة) و**”الدلال”**:
​المشية: كان الشعراء يصفون مشية المرأة العربية بـ “مشية القطاة” أو “تهادي الغمام”، وهي المشية الهادئة المتزنة التي تدل على الثقة والوقار.
​الصوت: كان الصوت الخفيض الرخيم يُعد من أسمى علامات الأنوثة والجمال.
​مواد الزينة التقليدية: صيدلية الجمال الطبيعي
​استخدمت المرأة العربية مواد مستخلصة من الطبيعة (نباتية، معدنية، وحيوانية) أثبتت الدراسات الحديثة فاعليتها الكبيرة:
​الكحل الإثمد (سحر العيون): هو سيد الزينة عند العرب. يُستخرج من حجر الإثمد، ولم يكن يُستخدم للتجميل فقط، بل للحفاظ على صحة العين وتقوية النظر ونبت الرموش. الأسود منه يمنح العين عمقاً وغموضاً فريداً.
​الحناء (خضاب الروح): تعتبر الحناء جزءاً لا يتجزأ من التراث العربي. استخدمتها النساء لصبغ الشعر وتزيين الأيدي والأقدام بنقوش هندسية ونباتية معقدة. كما كانت تُستخدم كعلاج لبرد القدمين ولتطهير الجلد.
​البخور والعود (لغة العطر): العطر عند العرب هو هوية. اعتمدت المرأة العربية على المسك والعنبر (عطور مركزة تدوم طويلاً)، والعود واللبان لتبخير الملابس والشعر، مما يمنحها رائحة زكية ترافقها أينما ذهبت.
​الورس والزعفران (مكياج البشرة): الورس نبات أصفر كان يُستخدم لتفتيح البشرة وإعطائها نضارة، والزعفران كان يُستخدم كنوع من “المورد” الطبيعي للوجنتين (بلاشر) وكعطر فاخر.
​السواك (ابتسامة اللؤلؤ): استخدمت المرأة العربية “المسواك” المستخرج من شجر الأراك لتنظيف الأسنان والحفاظ على بياضها وطيب رائحة الفم، وهو ما يضفي جمالاً خاصاً على الابتسامة.
​أسرار العناية بالشعر والمجوهرات
​كان الشعر الطويل الكثيف هو المقياس الأول للجمال، وللحفاظ عليه استخدمت العربيات:
​المشاط (الرشوش): خلطة من الأعشاب العطرية (مثل السدر، المحلب، والورد المجفف) تُطحن وتوضع على الشعر لتعطيره وتقويته.
​الزيوت الطبيعية: مثل زيت الزيتون وزيت الخروع لضمان الكثافة واللمعان.
​الجدائل: كانت المرأة العربية تفتخر بطول ضفائرها، وأحياناً كانت تضع فيها “الشنوف” (حلي ذهبية صغيرة) لتزيينها.
​أما الحلي والمجوهرات، فقد كانت تعكس الهوية والمكانة الاجتماعية:
​الخلاخيل: توضع في الكاحل وتصدر رنيناً هادئاً عند المشي.
​المخنق: عقد يلتف حول الرقبة بشكل وثيق، غالباً ما يكون مرصعاً بالأحجار الكريمة أو الفضة.
​المرتعشة: قلادة ذهبية واسعة تغطي الصدر، وتتميز بقطع تتدلى منها “ترتعش” مع الحركة.
​وفي بعض القبائل البدوية القديمة، كان الوشم الأخضر (على الذقن أو اليدين) يُعتبر علامة فارقة للجمال، وكان يُرسم باستخدام إبر بسيطة ومواد مستخلصة من سخام القدر والنباتات، وكان يُعتقد أنه يحمي من الحسد أو يبرز بياض البشرة.
​أسماء الجمال في اللغة العربية
​اللغة العربية من أغنى اللغات في وصف الجمال، وهناك درجات لكل صفة:
​الوضيئة: هي المرأة ذات الوجه النظيف المشرق.
​الخُرّيدة: هي المرأة الشابة السترية (الخجولة).
​الغيناء: هي المرأة الطويلة الجميلة.
​الشهلاء: المرأة التي في عينها بريق خاص (مزيج بين السواد والزرقة أو الخضرة).
​كما استخدمت المرأة العربية قديماً مواد أصبحت اليوم من الأسرار التراثية مثل: المحلب الذي يوضع مع الحناء لتعطير الشعر وتحفيز نموه، ودم الغزال (العكر الفاسي) لتوريد الشفاه والخدود بشكل طبيعي، والمُرّة التي كانت تعمل كغسول لشد الجلد وعلاج البثور، بالإضافة إلى النيلة الزرقاء التي كانت تُستخدم في “الحمام” لتفتيح لون البشرة وتوحيدها.
​إن الجمال العربي هو مزيج فريد بين سحر الطبيعة وبين القيم الأخلاقية. فالمرأة العربية لم تكتفِ بتزيين ظاهرها، بل اهتمت بجوهرها، مما جعل جمالها عصياً على النسيان وملهماً للشعراء والفنانين عبر العصور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا