اسلاميات

عُروة بن الزبير: عملاقُ الصبرِ ومحرابُ اليقين

​إن عروة بن الزبير بن العوام لم يكن مجرد عابرٍ في سِير التابعين، بل كان منارةً شامخة جمعت بين شرف النسب، وطهارة النفس، وجزالة العلم، وعظيم الابتلاء. هو ابن الحواري الزبير بن العوام، وابن ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر، وخريج مدرسة أم المؤمنين عائشة التي نهل من فيض علمها حتى صار وعاءً من أوعية السنة، وأحد فقهاء المدينة السبعة الذين تُشد إليهم الرحال ويُرجع إليهم في الفتيا.
​لقد عُرف عروة بريادته في تدوين السيرة النبوية والمغازي، وكان يرى العلم أمانة تستحق التفرغ، حتى إنه ندم ندماً شديداً على إحراقه لكتبه في مقتبل حياته خشية الفتنة، قائلاً في حسرة: “لأن أكون استبقتُها أحب إليَّ من أن يكون لي مثل مالي وولدي”. ولم يكن علمه حبيس الكتب، بل كان واقعاً يترجمه في “بستانه” الذي كان يشرع أبوابه ويحطم جدرانه وقت نضج الثمر، ليدخله الفقراء والمساكين ويأكلوا منه بغير حساب، ممتثلاً قول الله تعالى: وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
​أما قصة صبره، فهي من أعجب ما رُوي في باب اليقين؛ إذ أصابت رجله “الآكلة” وهو في رحلة إلى دمشق، وفي ذات اليوم فُجع بموت أحب أبنائه إليه. وحين قرر الأطباء بتر رجله لئلا يسري الداء في جسده، عرضوا عليه غياب عقله بمرقدٍ أو مسكر، فأبى في عزة المؤمن قائلاً: “ما ظننت أن أحداً يؤمن بالله يشرب شراباً يغيب عقله حتى لا يعرف ربه”. ثم أشار عليهم أن يبتروها وهو في صلاته، فلما استغرق في خشوعه واتصلت روحه بخالقها، غاب عن إدراك الألم، فبتروا رجله ونشروا عظمها وغمسوها في الزيت المغلي وهو ساجد، ولم يقطع صلاته ولم يُسمع منه إلا أنين خفيف ينم عن جسدٍ يكابد وروحٍ تحلق.
​فلما أفاق، ونظر إلى قدمه المقطوعة، لم تخرج منه أنات السخط، بل فاضت جوارحه بالرضا وقال: “اللهم إنك تعلم أني لم أمشِ بها إلى معصية قط”. ثم التفت إلى الناس يعزي نفسه ويعزيهم بكلمات صاغها من نور اليقين: “اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة، فلئن كنت قد ابتليت فقد عافيت، ولئن كنت قد أخذت فقد أبقيت”.
​لقد عاش عروة زاهداً في الدنيا، حتى إنه حين اجتمع مع إخوته وعبد الملك بن مروان وتمنوا الخلافة والملك، لم يزد على تمني الزهد في الدنيا والفوز بالجنة وأن يُحمل عنه العلم، فنال ما تمنى بصدقه. وظل مرجعاً للحق، ومستشاراً للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، حتى وافته المنية وهو صائم، ليختم حياته كما بدأها، عابداً صابراً عالماً، تجسدت في شخصه أسمى معاني التوازن بين كبرياء النفس وتواضع المؤمن، لتظل سيرته مدرسةً للأجيال في أدب البلاء وقوة العقيدة.
​إن سيرة عروة بن الزبير تبرق كدرسٍ خالد للمسلم المعاصر في كيفية صناعة التوازن النفسي والإيماني؛ فهي تُعلمنا أن الابتلاء ليس علامة خذلان، بل هو مضمارٌ لاختبار صدق الصلة بالله، وأن أعظم وسيلة لمواجهة أوجاع الحياة هي “الاستغراق في الطاعة” حتى تغيب الروح عن ألم المادة. كما تضع بين أيدينا منهجاً عملياً في أدب المحنة، يتمثل في مضاهاة المفقود بالموجود، واستشعار نعم الله التي لا تحصى حتى في أحلك الظروف. إن عروة لم يغادر دنيانا إلا وقد ترك لنا برهاناً ساطعاً على أن العلم والعمل واليقين هم الثلاثية التي تجعل الإنسان يبتسم في وجه العاصفة، ويرى في قدر الله عدلاً، وفي منعه عطاءً، وفي بلائه عافية.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري شبكةمحرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمي أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا