
لم يكن منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في دورته لعام 2026 مجرد تجمع للنخب المالية والسياسية كالعادة، بل كان اللحظة التاريخية التي أعلنت فيها القوى الكبرى نهاية “الجمود الدبلوماسي” وبداية عصر جديد من العلاقات الدولية القائمة على “المكاشفة الخشنة”. في قلب هذا التحول، يقف قطبان يمثل كل منهما رؤية مغايرة لمستقبل العالم: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ببراغماتيته التي لا تعترف بالبروتوكول، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يحاول إنقاذ ما تبقى من “الاستقلال الاستراتيجي” الأوروبي.
وبحكم متابعتي المستمرة واهتمامي العميق بالقضايا الراهنة التي تشكل ملامح العلاقة بين العالم العربي والغرب، ومن موقعي كصحفي وكاتب يراقب تفاعلات الأحداث من قلب القارة الأوروبية هنا في إيطاليا، أجد أن هذا الصدام يتجاوز كونه خلافاً عابراً؛ إنه يعكس في جوهره تحولاً جذرياً في فلسفة القوة. فالمراقب لموازين القوى يدرك أن ما يحدث اليوم في كواليس دافوس وفي أروقة القرار بين واشنطن وباريس، سيترك أثراً عميقاً ومباشراً على خارطة التحالفات الدولية، بما في ذلك منطقتنا العربية التي تترقب بكثير من الحذر مآلات هذا التوازن الخطر بين قطبي الأطلسي.
أولا:منذ أن أعلن الرئيس ترامب عن تأسيس “مجلس السلام” (Board of Peace)، انقسم العالم إلى معسكرين. هذا المجلس ليس مجرد مبادرة عابرة، بل هو تجسيد لعقيدة ترامب التي ترى في المؤسسات الدولية التقليدية، كالأمم المتحدة، هياكل بيروقراطية عاجزة عن حسم النزاعات الكبرى.
يركز المجلس على “دبلوماسية الصفقات المباشرة”؛ حيث يتم التعامل مع قضايا معقدة مثل أوكرانيا وقطاع غزة بعقلية “الاستثمار في الاستقرار”. وبالنسبة لترامب، فإن هذا المجلس يوفر منصة مرنة للدول الفاعلة للمساهمة في صنع القرار بعيداً عن تعقيدات الفيتو التقليدي. ومع ذلك، يرى الإليزيه في هذا التوجه “خصخصة” للأمن العالمي، حيث يرفض ماكرون فكرة أن يدار السلام العالمي من خلال “نادي أصدقاء” يتجاوز الشرعية الدولية، معتبراً أن غياب فرنسا عن هذا المجلس هو صرخة دفاع عن التعددية القطبية.
ثانيا:لقد أثارت تحركات ترامب الأخيرة بشأن “غرينلاند” والتلويح بفرض رسوم جمركية عالية على الصادرات الأوروبية ما يمكن وصفه بـ “عقيدة دونرو” (Donroe Doctrine)، وهي النسخة المحدثة من مبدأ مونرو، ولكن بلمسة القرن الحادي والعشرين. ترامب يرسخ قناعة بأن الولايات المتحدة يجب أن تعيد رسم حدود نفوذها الاقتصادي والجغرافي بما يضمن “الأمن القومي الأول”.
من وجهة نظر واشنطن، فإن ضم غرينلاند أو فرض قيود تجارية ليس عدواناً، بل هو إجراءات سيادية لحماية الاقتصاد الأمريكي من التغلغل المنافس وتأمين موارد الطاقة والمعادن النادرة. في المقابل، يجد ماكرون نفسه مضطراً لرفع سقف الخطاب السيادي الأوروبي، محاولاً إقناع حلفائه في برلين وروما بأن القبول بهذه القواعد الجديدة يعني تحول أوروبا إلى “شريك ثانوي” لا يملك قرار استقلاله الاقتصادي.
ثالثا:لعل السمة الأبرز في سجال دافوس 2026 هي الانتقال من “الغرف المغلقة” إلى “المنصات العامة”. تعمّد الرئيس ترامب استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر مقتطفات من رسائل أو مكالمات، وهو أسلوب يهدف إلى “تعرية الدبلوماسية” وجعلها تحت مجهر الرأي العام.
هذه “المكاشفة الرقمية” وضعت القادة الأوروبيين، وعلى رأسهم ماكرون، في موقف محرج؛ فهم يفضلون اللغة الدبلوماسية المنضبطة، بينما يفضل ترامب لغة “الأرقام والنتائج”. هذا التباين ليس مجرد خلاف في الأسلوب، بل هو انعكاس لتحول عميق في كيفية إدارة الدولة في العصر الحديث، حيث أصبحت “الشعبية الرقمية” سلاحاً لا يقل قوة عن الترسانات العسكرية.
رابعا: أحدثت سياسات ترامب “الواقعية” زلزالاً داخل التيارات اليمينية في أوروبا. مارين لوبان وجوردان بارديلا، اللذان طالما رأيا في ترامب ملهماً للقومية، وجدا أنفسهما في اختبار صعب. هل يناصران “القومية الأمريكية” التي قد تضر بمصالح فرنسا الاقتصادية؟ أم يصطفان خلف ماكرون دفاعاً عن المصالح الوطنية؟
هذا التناقض أضعف الجبهة المعارضة لماكرون داخلياً، وأظهره بمظهر “المقاوم الوحيد” للهيمنة الاقتصادية العابرة للقارات، مما عزز من أسهمه كزعيم يحاول حماية “الهوية الاستراتيجية” للقارة العجوز في وجه طوفان الصفقات الكبرى.
الخلاصة:إن ما يشهده العالم اليوم ليس صراعاً بين “خير وشر”، بل هو مخاض لولادة نظام عالمي جديد يوازن بين قوتين: قوة “الواقعية الأمريكية” التي يقودها ترامب لإعادة بناء العظمة الوطنية، وقوة “الحلم الأوروبي” الذي يمثله ماكرون للحفاظ على سيادة القارة.
إن العلاقة بين باريس وواشنطن، رغم خشونة السجال، تظل علاقة “حلف الضرورة”. فالطرفان يعلمان تماماً أنه في نهاية المطاف، لا يمكن لأوروبا الاستغناء عن المظلة الأمريكية، ولا يمكن لأمريكا قيادة العالم دون حلفاء تاريخيين. دافوس 2026 كان “جلسة مصارحة” كبرى، ربما تكون قاسية في كلماتها، لكنها ضرورية لرسم معالم عالم لا مكان فيه للضعفاء أو المترددين.









