
يُعد الإمام البخاري ركيزة أساسية في الحضارة الإسلامية، ليس فقط لكونه صاحب أصح كتاب بعد القرآن الكريم، بل لكونه المؤسس الحقيقي لمنهجية النقد العلمي في توثيق النصوص. هو الرجل الذي جمع بين “الذاكرة الفوتوغرافية” و”الورع المتناهي”، ليصبح مدرسة عابرة للأجيال.
1. النشأة والطلب: معجزة الحفظ المبكر
هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، ولد في شوال سنة 194 هـ في مدينة بخارى. نشأ يتيماً في حجر والدته، ويُروى أنه فقد بصره في صغره، فرأت والدته الخليل إبراهيم عليه السلام في المنام يبشرها برد بصره ببركة دعائها، فأصبح البخاري يبصر.
قوة الحفظ: أتم حفظ القرآن والمؤلفات الحديثية وهو دون السادسة عشرة. كان يمتلك ذاكرة استثنائية؛ فكان ينظر في الكتاب “نظرة واحدة” فيحفظ ما فيه. ويُروى أنه في رحلاته كان زملائه يكتبون الأحاديث وهو لا يكتب، فلما عاتبوه، قرأ عليهم 15 ألف حديث من حفظه، حتى جعلوا يصححون كتبهم من ذاكرته.
2. الجامع الصحيح: الدقة التي سبقت العصور
كتابه “الجامع المسند الصحيح المختصر” ليس مجرد تجميع، بل هو نتيجة تصفية دقيقة:
مدة التأليف: استغرق 16 عاماً من الترحال والتدقيق.
الاستخارة: لم يضع حديثاً إلا واغتسل وصلى ركعتين قبل تدوينه.
شرط اللقاء: تميز البخاري بشرط “اللقاء الحقيقي” بين الراوي وشيخه، وهو شرط أشد من شرط الإمام مسلم (المعاصرة)، مما جعل كتابه قمة في الاتصال السندي.
الإحصاء: انتقى أحاديث كتابه من بين 600 ألف حديث يحفظها، ليخرج لنا بنحو 7275 حديثاً بالمكرر (نحو 4000 بدون تكرار).
3. عبقرية “تراجم الأبواب” وفقه الاستنباط
يقول العلماء: “فقه البخاري في تراجمه”. البخاري لم يكن مجرد ناقل، بل كان فقيهاً مجتهداً. تظهر عبقريته في اختيار “عنوان الباب”؛ فقد يورد حديثاً في باب “العلم” ثم يكرره في “الصلاة” ليستنبط منه حكماً مختلفاً تماماً، مما ينم عن عقلية تحليلية فذة تربط بين النصوص بدقة متناهية.
4. محطات مذهلة: امتحان بغداد والثبات العلمي
امتحان بغداد: عندما قدم بغداد، أراد علماؤها اختبار حفظه، فقلبوا له متون وأسانيد 100 حديث. قام البخاري بإعادة كل متن إلى سنده الصحيح بالترتيب كما سُرِدَت عليه أول مرة، مما أذهل الحاضرين وأقروا له بالإمامة المطلقة.
الثلاثيات: تميز بوجود أحاديث “ثلاثية” (بينه وبين النبي ﷺ 3 رواة فقط)، وهي قمة “العلو” في الإسناد، مما يقلل احتمالية الخطأ البشري.
5. الجانب الأخلاقي والورع (بين العلم والعمل)
عفة اللسان: كان شديد التورع في نقد الرجال؛ فإذا كان الراوي شديد الضعف، استخدم عبارات مثل “سكتوا عنه” أو “فيه نظر”، وهي عنده من أقسى مراتب التجريح لكن بلسان عفيف يرجو به ألا يحاسبه الله على غيبة أحد.
الزهد المالي: كان يعمل في التجارة (ميراث والده) وكان يُخدع لصالح الفقراء عمداً، مترفعاً عن حطام الدنيا.
6. المحنة والابتلاء: عزة العلم
في أواخر حياته، واجه محنة “فتنة اللفظ”، واتُّهم زوراً من بعض أقرانه. وعندما عاد لبخارى، رفض طلب أميرها (خالد الذهلي) أن يأتي لقصره لتعليم أبنائه، وقال كلمته الخالدة: “أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فمن كانت له حاجة فليحضر إلى مسجدي أو داري”. أدى ذلك لنفيه إلى قرية “خرتنك” حيث قضى أيامه الأخيرة غريباً صابراً.
7. المنهج النقدي والرد على الاستشراق
كان البخاري يمتلك حساً نقدياً يسمى “عِلل الحديث”، حيث يكتشف الأخطاء الخفية في الأسانيد التي تبدو صحيحة للآخرين. وفي العصر الحديث، أثبتت الدراسات (بناءً على المخطوطات) أن البخاري اعتمد على نسخ مكتوبة وموثقة، مما يدحض فرية المستشرقين (مثل جولد تسيهر) بأن الأحاديث كانت مجرد قصص شفهية دونت بعد قرنين.
8. مؤلفاته الأخرى وتراثه
لم يكتفِ بالصحيح، بل ألف:
التاريخ الكبير: موسوعة في الرجال كتبها بجوار قبر النبي ﷺ، وقال: “قلّ اسم فيه إلا وله عندي قصة”.
الأدب المفرد: في مكارم الأخلاق.
خلق أفعال العباد: في العقيدة والرد على المنحرفين.
توفي البخاري رحمه الله ليلة عيد الفطر سنة 256 هـ. قال عنه الإمام أحمد: “ما أخرجت خراسان مثله”، وقال عنه تلميذه الإمام مسلم: “لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك”.







