
يُعد صيام يومي الاثنين والخميس من السنن النبوية المؤكدة التي حافظ عليها النبي ﷺ طوال حياته، وهي ممارسة تحمل في طياتها فوائد روحية، تعبدية، وحتى صحية. يمثل الصيام التطوعي جنة المؤمن في الدنيا، وباباً من أبواب القربى التي تجبر ما قد يقع من نقص في الفرائض. وقد خص النبي ﷺ يومي الاثنين والخميس بمكانة رفيعة لأسباب غيبية وتعبدية.
أولاً: عرض الأعمال على الله عز وجل
السبب الرئيسي الذي جعل النبي ﷺ يحرص على صيام هذين اليومين هو توقيت عرض أعمال العباد على الخالق. ففي الحديث الشريف: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: “تُعرَضُ الأَعمالُ يومَ الاثنينِ والخميسِ، فأُحبُّ أن يُعرضَ عملي وأنا صائمٌ” (رواه الترمذي). وهذا يشير إلى أدب العبد مع ربه؛ حيث يستحي المؤمن أن يُرفع سجله وهو في حالة غفلة أو انشغال بالملذات، بل يختار أن يكون في حالة عبادة وخضوع.
ثانياً: شكر الله على نعمة الوجود والرسالة (يوم الاثنين)
يوم الاثنين له خصوصية إضافية؛ فهو يوم ميلاد النبي ﷺ ويوم بعثته. فعندما سُئل النبي عن صوم يوم الاثنين، قال: “ذاك يومٌ وُلِدتُ فيه، ويومٌ بُعِثتُ -أو أُنزِلَ عليَّ فيه-” (رواه مسلم). الصيام هنا يأتي كنوع من الشكر العملي لله على نعمة الهداية وإرسال الرسل.
ثالثاً: مغفرة الذنوب وفتح أبواب الجنة
أوردت الأحاديث أن هذين اليومين هما موعد لفتح أبواب الجنة ونزول المغفرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “تُفتَحُ أبوابُ الجنةِ يومَ الاثنينِ ويومَ الخميسِ، فيُغفرُ لكلِّ عبدٍ لا يشركُ باللهِ شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناءُ، فيقالُ: أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظِروا هذين حتى يصطلحا” (رواه مسلم).
أقوال الأئمة والعلماء في فضلها
اجتمع أئمة المذاهب الأربعة على استحباب صيام هذين اليومين، واعتبروهما من “الرواتب” التي تتبع الفرائض:
الإمام النووي (الشافعية): ذكر في كتابه “المجموع” أن صوم الاثنين والخميس سنة مؤكدة، والعلة فيها عرض الأعمال.
ابن قيم الجوزية: أشار في “زاد المعاد” إلى أن تخصيص هذين اليومين بالصيام يعين النفس على الانضباط، ويجعل العبد في حالة ترقب دائم لمحاسبة الله له.
الإمام جعفر الصادق (عند أتباع مذهب آل البيت): رُوي عنه تأكيده على فضل صيام هذين اليومين كونهما أيام تُعرض فيها الأعمال على النبي ﷺ وعلى الأئمة من بعده، مما يستوجب الاستعداد بالصوم.
إضافات وتفاصيل دقيقة في أسرار هذا الصيام
1. الحكمة من “تكرار” العرض (أسبوعي وسنوي)
قد يتساءل البعض: إذا كانت الأعمال تُعرض في شهر شعبان (عرض سنوي)، فما الحكمة من عرضها يومي الاثنين والخميس؟ الإجابة تكمن فيما أوضحه العلماء (مثل الحافظ ابن حجر) بأن عرض الأعمال مستويات: عرض يومي (في صلاة الصبح وصلاة العصر)، وعرض أسبوعي (يومي الاثنين والخميس)، وعرض سنوي (في شهر شعبان). والحكمة هي استمرارية الرقابة الذاتية للمؤمن، فإذا فاته استحضار النية في العرض اليومي، تداركه في الأسبوعي، وهكذا يظل قلبه معلقاً بالله.
2. مدرسة “تزكية النفس” عند الصوفية والزهاد
تحدث أرباب السلوك (مثل الإمام الغزالي في “إحياء علوم الدين”) عن أن صيام هذين اليومين يكسر “عادية النفس”. فالنفس تعتاد على الطعام والشراب، وكسر هذه العادة مرتين في الأسبوع يمنع النفس من الطغيان والجبروت. يُسمى هذا الصيام عند الزهاد بـ “رياضة الروح”، لأنه يوازن بين تعب الأسبوع وروحانية العبادة، كما يساهم بفاعلية في كسر الشهوة والتعود على الصبر.
3. الفضيلة الاجتماعية (إصلاح ذات البين)
هناك رابط خفي وعظيم بين صيام الاثنين والخميس وبين التسامح الاجتماعي. فكما ورد في الحديث الشريف حول الشحناء، فإن الصائم في هذين اليومين يُدفع دفعاً لمصالحة خصومه، لأنه يعلم أن صومه وعمله قد يُحجبان عن القبول بسبب الخصام. فهو صيام يدعو للسلم المجتمعي بقدر ما هو عبادة فردية.
4. فضل الصيام في “يوم الخميس” تحديداً
بجانب عرض الأعمال، ورد في الأثر أن النبي ﷺ كان يحب أن يسافر أو يبدأ أعماله المهمة يوم الخميس. فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يبتدئ سفرة يوم الخميس (رواه البخاري). والجمع بين الصيام وبين كونه يوماً مباركاً للبدء بالأعمال (البركة في الحركة) يجعل للمؤمن قبولاً وتوفيقاً في شؤونه الدنيوية أيضاً.
الفوائد الصحية والطبية (الصيام المتكرر)
من الناحية العلمية، يتوافق صيام الاثنين والخميس مع نظام “الصيام المتقطع” (Intermittent Fasting) الذي يوصي به الأطباء حالياً، ومن فوائده:
تجديد الخلايا: يساعد الجسم على التخلص من الخلايا التالفة (Autophagy).
تنظيم السكر: يحسن حساسية الأنسولين في الجسم.
راحة الجهاز الهضمي: يعطي استراحة دورية للمعدة والأمعاء مما يحسن عملية التمثيل الغذائي.
إنتاج هرمون النمو (HGH): الذي يزيد من حرق الدهون وبناء العضلات.
تحسين صفاء الذهن: الصيام يقلل من تدفق الدم للجهاز الهضمي ويوجهه للدماغ، مما يزيد من التركيز، وهو ما يفسر سرعة بديهة الصالحين وقوة حفظهم.
نصيحة لمن يجد صعوبة في البدء:
يقول الأئمة: “من لم يستطع صيام اليومين، فلا يتركهما معاً”. يمكنك البدء بالاثنين فقط، أو الخميس فقط، حتى تألف النفس العبادة، فـ “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل”. في الختام، صيام الاثنين والخميس ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو خلوة أسبوعية مع الله، وفرصة لتنقية السجل من الخطايا.







