
تمر مدينة القصر الكبير حالياً بظرفية استثنائية وحرجة جداً بسبب التقلبات المناخية الحادة، حيث تعتبر المدينة حالياً مدينة منكوبة بسبب الفيضانات الناتجة عن الأمطار الغزيرة وارتفاع منسوب وادي اللوكوس. وقامت السلطات المحلية، بتنسيق مع القوات المسلحة الملكية والوقاية المدنية، بإجلاء نحو 48,000 شخص من الأحياء المنخفضة والمناطق المهددة بالغرق، كما تم توفير وسائل نقل مجانية من حافلات وقطارات لنقل المواطنين إلى مناطق آمنة، مع إقامة مخيمات إيواء مجهزة بالخيام والمرافق الصحية والمواد الغذائية في مداخل المدينة وفي مدينة العرائش المجاورة.
ويعتبر سد وادي المخازن، وهو ثاني أكبر سد في المغرب ومهمته الأساسية حماية سهل اللوكوس من الفيضانات، في وضعية حرجة؛ فبسبب بلوغ الطاقة الاستيعابية، أصبحت السلطات مجبرة على القيام بتفريغ تقني ومراقب للمياه عبر المفيض (Évacuateur de crues). وقد تمت عملية تفريغ مراقبة لحوالي 281 مليون متر مكعب من مياه السد لتخفيف الضغط، مما ساهم في ارتفاع منسوب الوادي المحاذي للمدينة، علماً أنه إذا لم يتم تفريغ المياه، فقد يواجه جسم السد ضغطاً يهدد سلامته البنيوية وهو سيناريو أخطر بكثير. وتصب هذه المياه المفرغة مباشرة في وادي اللوكوس، مما يرفع منسوبه إلى مستويات قياسية تتجاوز ضفافه الطبيعية، ولا يقتصر القلق الحالي على السد فقط، بل على التدفقات المائية الضخمة القادمة من مرتفعات شفشاون التي تصب مباشرة في اللوكوس، مما قد يرفع المنسوب بشكل مفاجئ.وتشير التقارير الهيدروليكية إلى أن صبيب المياه عند نقطة “مشرع الرمل” وصل إلى مستويات غير مسبوقة، مما جعل سرعة تدفق المياه تفوق قدرة القنوات التحت أرضية للمدينة على التصريف، وهو ما يفسر خروج المياه من “بالوعات” الصرف الصحي في الأحياء البعيدة عن الوادي. ونظراً لتوالي الأمطار في الأسابيع الماضية، وصلت تربة حوض اللوكوس إلى حالة الإشباع التام، مما يعني أن أي قطرة مطر تسقط الآن تتحول فوراً إلى جريان سطحي ولا يمتصها الأرض، وهذا ما يضاعف حجم الفيضان بشكل فوري.
ولم تأتِ عملية الإخلاء الواسعة من فراغ، بل بسبب مخاطر حقيقية تتعلق بطبوغرافية المدينة، حيث تقع أجزاء واسعة من القصر الكبير في مستويات منخفضة أو في “سرير الوادي” التاريخي، مع وجود خطر ظاهرة الارتداد في حال تزامن فيضان الوادي مع مد بحري قوي عند المصب بالعرائش يمنع تصريف المياه. وقد ارتفع عدد الأحياء التي شملتها قرارات الإخلاء من 14 إلى 22 حياً سكنياً، بعد إضافة أحياء جديدة مثل برطيلو والهواري، بالإضافة إلى أحياء السلام، المرينة، وكاوكاو، حيث تم تنفيذ الإخلاء أحياناً بقوة القانون للحفاظ على الأرواح، مع إغلاق الأحياء بالحواجز وتكثيف الدوريات الأمنية لمنع السرقة.وفي قطاع التعليم، تقرر توقيف الدراسة في كافة المؤسسات التعليمية بمدينة القصر الكبير وضواحيها ابتداءً من يوم الاثنين 2 فبراير 2026 وحتى السبت 7 فبراير 2026. كما تأكد رسمياً تعليق الخدمات في مستشفى القرب بالمدخل الشمالي للمدينة بعد أن غمرت المياه ممراته وقاعاته، وهناك أنباء عن دراسة إمكانية نصب مستشفى عسكري ميداني في منطقة “المصلى” أو في مكان مرتفع وآمن لتقديم الدعم للمستشفى الإقليمي وتخفيف الضغط عنه. واقتصادياً، تأثرت سلاسل التموين بالخضروات والفواكه في سوق الجملة بسبب محاصرة المياه لبعض الضيعات الفلاحية الكبرى في سهل اللوكوس، وهناك تنسيق لتزويد المدينة بالمواد الأساسية عبر الطريق السيار من جهة طنجة لتفادي أي خصاص، مع تسجيل تقارير مؤسفة عن نفوق عدد كبير من رؤوس الماشية في الدواوير التابعة لإقليم القصر الكبير مثل أولاد ناصر والقرى المحاذية للوادي حيث باغتت المياه الحظائر ليلاً. وبالموازاة مع ذلك، تم نشر وحدات إنتاج خبز متنقلة تابعة للقوات المسلحة لضمان عدم وقوع أزمة غذائية داخل مراكز الإيواء.
وفيما يخص الوضع الصحي والبيئي، بدأت فرق حفظ الصحة التابعة للجماعة الترابية بالتحضير لعمليات تعقيم واسعة فور انحسار المياه لتفادي انتشار أمراض مرتبطة بالمياه الراكدة وتلوث قنوات الشرب، فيما أكدت الوكالة المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء أن جودة المياه الموزعة عبر الصنابير لا تزال تحت المراقبة الصارمة ولم تتأثر حتى الآن بالفيضانات بفضل محطات المعالجة المرتفعة عن سطح الأرض. كما قامت فرق الوكالة بقطع التيار الكهربائي بشكل وقائي عن الأحياء التي غمرتها المياه بالكامل مثل حي كاوكاو والمناطق المحاذية للضفاف كإجراء احترازي لمنع وقوع حوادث صعق كهربائي، مع تسجيل استنفار لتأمين شاحنات نقل غاز البوتان عبر المسالك الطرقية غير المتضررة لضمان استمرارية التموين. ويسود قلق كبير في أحياء المدينة القديمة حيث تهدد الرطوبة العالية وتشبع التربة بعض الدور الآيلة للسقوط، وقد تم تشكيل لجنة تقنية مشتركة لمعاينة هذه المباني وإجلاء سكانها فور ظهور أي شقوق.
أما حالة الطرق، فقد أعلنت وزارة التجهيز والماء أن الطريق الوطنية رقم 1 مقطوعة عند المدخل الجنوبي، والطريق الجهوية رقم 410 مقطوعة عند المدخل الغربي، والبديل المتاح هو الطريق السيار (A5). وتواصل القوات المسلحة الملكية تدخلاتها الميدانية باستخدام القوارب والمروحيات والآليات الثقيلة، واستخدام طائرات بدون طيار (درون) لمسح الأحياء وتحديد المحاصرين، بينما بدأت تصل قوافل تضامنية من مدن كطنجة وتطوان تحمل أغطية وملابس ومواد تنظيف. وتقنياً، يتم الاعتماد حالياً على صور الأقمار الصناعية التابعة لمركز الاستشعار عن بعد لرسم خريطة مخاطر ديناميكية تتغير كل ساعة لتوقع المسارات الجديدة التي قد تسلكها المياه، كما أطلق شباب من المدينة مبادرات على مواقع التواصل الاجتماعي لإنشاء خريطة تفاعلية ترصد أماكن تواجد العائلات المحاصرة لتسهيل عمليات الإنقاذ.
ورغم الأزمة، شهدت المدينة مشاريع تنموية مؤخراً مثل افتتاح الكلية متعددة التخصصات سنة 2025 بكلفة 28.9 مليون درهم، والعمل على منطقة الأنشطة الاقتصادية بـ “قصر بجير”، بينما ارتفعت نسبة ملء السدود وطنياً إلى 61.7% مما يضمن أمناً مائياً مستقبلياً. وتم إحداث خلايا استماع داخل مراكز الإيواء للتخفيف من صدمة فقدان الممتلكات التي يعاني منها السكان الذين غمرت المياه منازلهم بالكامل. وتشير صور الرادار إلى استمرار كتلة هوائية باردة ومحملة بالأمطار فوق جبال الريف وشفشاون التي تعتبر الخزان الرئيسي لوادي اللوكوس، مما يجعل السلطات تترقب وصول موجة الصبيب الثانية إلى القصر الكبير في غضون الساعات الـ 6 القادمة. المدينة تعيش حالياً سباقاً مع الزمن، والساعات الـ 12 القادمة ليل الاثنين وفجر الثلاثاء ستكون حاسمة؛ فإما أن يبدأ منسوب الوادي بالاستقرار، أو ستشهد المدينة موجة ثانية إذا استمرت التساقطات في منابع الوادي، والسلطات تدعو للالتزام بتعليمات خلية اليقظة وعدم تصديق إشاعات انهيار السد حيث تتم العمليات تحت إشراف هندسي دقيق.







