
يشهد قطاع الصحة في المغرب حالياً (فبراير 2026) تحولات جذرية نتيجة تفعيل ترسانة قانونية جديدة تهدف إلى إصلاح المنظومة الصحية بشكل كامل. وتتمثل أبرز المستجدات والقوانين التي تثير الكثير من الجدل والنقاش اليوم فيما يلي:
أولاً: المنظومة القانونية الجديدة والهيكلة الإدارية
1. قانون الوظيفة الصحية (القانون 09.22)
هذا هو “القانون الجديد” الأساسي الذي يغير وضعية موظفي قطاع الصحة، وأهم نقاطه:
نظام الأجر المتغير: يتضمن القانون الجديد جزءاً ثابتاً من الراتب وجزءاً متغيراً يعتمد على المردودية والأداء (التعويض عن الأعمال والمهام المنجزة).
الخروج من النظام العام للوظيفة العمومية: أصبح لمهنيي الصحة نظام أساسي خاص بهم يراعي خصوصيات المهنة الطبية والتمريضية.
الحركة الانتقالية والتعويضات: هناك نقاش مستمر حول المراسيم التنظيمية المتعلقة بالتعويض عن المناطق النائية وتسهيل الانتقالات.
2. المجموعات الصحية الترابية (GST)
يتم حالياً الانتقال من التسيير المركزي إلى تسيير جهوي عبر “المجموعات الصحية الترابية”:
الاستقلالية: كل جهة ستدير مواردها البشرية والمالية بشكل مستقل عبر هذه المجموعات.
التخوفات النقابية: تشهد الساحة الصحية (خاصة في يناير وفبراير 2026) احتجاجات وإضرابات من قِبل التنسيقات النقابية بسبب “الغموض” في مصير المكتسبات المهنية عند الانتقال لهذه المجموعات، خاصة تجربة مجموعة طنجة-تطوان-الحسيمة.
3. إصلاح نظام التأمين الصحي (القانون 54.23)
شهدت بداية سنة 2026 خطوات حاسمة لتوحيد أنظمة التأمين:
دمج “CNOPS” في “CNSS”: يتم العمل على توحيد تدبير التأمين الإجباري الأساسي عن المرض (AMO) تحت لواء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) لضمان حكامة موحدة.
إلزامية الانخراط: ابتداءً من 2026، أصبحت جميع الشركات ملزمة بالانتقال إلى نظام (AMO)، مما ينهي تدريجياً العمل بالتأمينات الخاصة كبديل للنظام العام.
ثانياً: اشتغال مهنيي الصحة في القطاع الخاص
نعم، يسمح القانون المغربي لمهنيي الصحة المشتغلين في القطاع العام بالاشتغال في القطاع الخاص، ولكن ضمن شروط وضوابط محددة جداً تم تحيينها مؤخراً في إطار الإصلاحات الجديدة. إليك التفاصيل:
1. نظام “العمل التكميلي” (Temps Plein Aménagé – TPA)
هذا النظام كان معمولاً به وما زال قائماً مع بعض التغييرات، وهو يسمح لأساتذة الطب والأطباء المتخصصين في المستشفيات الجامعية (CHU) بالعمل في المصحات الخاصة يومين في الأسبوع (أو خارج أوقات العمل الرسمية) شرط الحصول على ترخيص مسبق.
2. مستجدات قانون الوظيفة الصحية (09.22) بهذا الخصوص
جاء القانون بمرونة أكبر ولكن مع ربطها بـ “المردودية” و “التعاقد”:
الشراكة بين القطاعين: يشجع القانون الجديد على إبرام اتفاقيات شراكة تسمح لمهنيي الصحة في القطاع العام بتقديم خدمات في القطاع الخاص (والعكس صحيح)، لسد الخصاص في بعض التخصصات.
الاشتغال خارج أوقات العمل: تسمح المقتضيات الجديدة لممارسة أنشطة خاصة مدرة للدخل، لكنها تتطلب موافقة الإدارة (المجموعة الصحية الترابية) لضمان عدم تأثير ذلك على السير العادي للمرفق العمومي.
3. الضوابط والشروط (منع تضارب المصالح)
الترخيص المسبق: يجب الحصول على إذن مكتوب من الإدارة؛ ولا يمكن العمل في القطاع الخاص بشكل عشوائي.
التخصص: يُسمح بهذا الأمر غالباً في التخصصات التي تعرف خصاصاً كبيراً.
الأداء في القطاع العام: الأولوية دائماً للمستشفى العمومي، وأي تقصير قد يؤدي إلى سحب الترخيص.
الجمع بين الوظيفتين: قانون الوظيفة الصحية (09.22) أعطى خصوصية للقطاع للتوجه نحو السماح للمهنيين بتحسين دخلهم بطريقة قانونية وشفافة بدلاً من ممارستها بشكل غير قانوني (“النوار”).
ثالثاً: إضافات جوهرية ومستجدات خدماتية (فبراير 2026)
1. المؤسسات والهيئات الجديدة
الهيئة العليا للصحة: هي “الدماغ” الجديد المسؤول عن التأطير التقني للتأمين الإجباري (تحديد لائحة الأدوية والخدمات المعوض عنها) ومراقبة جودة الخدمات في القطاعين.
الوكالة الوطنية للأدوية والمنتجات الصحية: تهدف لتسريع تراخيص الأدوية لتقليل الاعتماد على الخارج ومراقبة الأسعار (مراجعة أسعار أكثر من 1000 دواء إضافي في 2026).
2. الرقمنة والخدمات الميدانية
بطاقة المهني الرقمية: تسمح بضبط ساعات العمل (خاصة لمن يشتغلون بين العام والخاص) وتسهيل الولوج للنظام المعلوماتي الموحد للمريض.
إصلاح المستعجلات: دورية جديدة لإعادة هيكلة مصالح المستعجلات وإنشاء “وحدات مستعجلات القرب”.
الملف الطبي الرقمي: البدء في تعميم الملف المشترك لتتبع حالة المريض عبر نظام معلوماتي موحد في المملكة.
تأهيل المراكز: افتتاح أكثر من 67 مركزاً صحياً جديداً بعد إعادة تأهيلها في جهات مختلفة.
3. الاستثمار والتمويل
جذب الاستثمارات الأجنبية: القانون يسمح للأجانب بفتح مصحات، مما أدى لدخول مجموعات دولية (فرنسية وإماراتية) وخلق منافسة قوية.
ميزانية قياسية: خصصت الحكومة ميزانية تتجاوز 42 مليار درهم لعام 2026 لبناء مستشفيات جامعية ودعم الموارد البشرية.
4. نقطة الخلاف الحالية (الحوار الاجتماعي)
يظل هناك “شد وجذب” حول المادة 15 من قانون المجموعات الصحية الترابية، حيث تطالب النقابات بضمانات مكتوبة بأن يظل موظف الصحة متمتعاً بصفة موظف عمومي كامل الحقوق وليس “مستخدماً”.







