
يعتبر القانون رقم 71.24 الصادر في مطلع عام 2026 والمعدل لمدونة التجارة المغربية، نقطة تحول جذرية في تاريخ المعاملات المالية بالمملكة، حيث انتقل من فلسفة العقاب الزجري الصرف إلى فلسفة “الأداء مقابل الحرية” وإعادة الثقة في الشيك كأداة وفاء وليس أداة تهديد بالسجن. تبدأ هذه المنظومة الجديدة بإعادة تصنيف الجرائم وتخفيض العقوبات الحبسية، حيث تم تقليص الحد الأقصى لعقوبة إصدار شيك بدون رصيد من خمس سنوات إلى سنتين فقط، مع تحديد الحد الأدنى في ستة أشهر، وذلك بهدف ملاءمة العقوبة مع الممارسات الدولية ومنع استغلال الشيك كأداة “ابتزاز” اجتماعي. ولتفعيل هذا التوجه، أقر القانون بدائل حقيقية للاعتقال الاحتياطي، إذ أصبح بإمكان وكيل الملك أو قاضي التحقيق استبدال الحبس بوضع “السوار الإلكتروني” للمتهم، مما يتيح له البقاء في محيطه المهني والتحرك لجمع المبالغ المالية اللازمة لتسوية دينه تحت مراقبة أمنية رقمية، مع اشتراط عدم مغادرة التراب الوطني وسحب جواز السفر في حالات المبالغ الكبيرة لضمان حقوق الدائنين.
وفيما يتعلق بمسطرة الصلح الجنائي، فقد أصبحت هي القاعدة وليس الاستثناء؛ حيث منح القانون للنيابة العامة سلطة واسعة لإجراء وساطة بين الساحب والمستفيد قبل تحريك الدعوى العمومية، تبتدئ بمنح مهلة ثلاثين يوماً لتوفير المؤونة، قابلة للتمديد لثلاثين يوماً إضافية في حال موافقة الدائن. والمستجد الأهم هنا هو أن أداء مبلغ الشيك كاملاً في أي مرحلة من مراحل المتابعة، سواء أمام الشرطة أو النيابة أو حتى بعد صدور حكم نهائي وبداية تنفيذ العقوبة، يؤدي “وجوباً” إلى سقوط المتابعة وإيقاف تنفيذ العقوبة الحبسية فوراً، وبمجرد إدلاء المعني بالأمر بما يفيد الأداء أو تقديم تنازل مكتوب ومصادق عليه من الطرف المتضرر، يُفرج عن السجين بقرار من قاضي تطبيق العقوبات أو النيابة العامة. كما تم خفض الغرامة التصالحية التي كانت في السابق تصل لمبالغ تعجيزية، لتستقر في حد أقصى لا يتجاوز 2% من قيمة الشيك تؤدى لخزينة الدولة لإغلاق الملف القضائي بشكل نهائي.
وعلى مستوى الحماية الاجتماعية والأسرية، أحدث المشرع استثناءً جوهرياً يقضي بعدم تحريك المتابعة الجنائية في حالات إصدار شيك بدون رصيد إذا كان النزاع بين الأزواج أو بين الأصول والفروع (الآباء والأبناء والأجداد)، حيث تم إلغاء العقوبة السجنية في هذه الدائرة الضيقة من العلاقات والاعتماد فقط على المساطر المدنية لتحصيل الدين عبر الحجز على المنقولات أو العقارات، وذلك للحفاظ على تماسك الأسرة المغربية وتفادي الزج بالأقارب في السجون بسبب ديون تجارية أو شخصية. أما بخصوص الغرامات الجبائية التي كانت تشكل عائقاً أمام استعادة الحق في إصدار الشيكات، فقد تم تخفيضها بشكل ملموس لتشجيع المواطنين على تسوية وضعيتهم مع “بنك المغرب”، حيث أصبحت النسبة هي 0.5% من مبلغ الشيك بالنسبة للعارض الأول، و1% للعارض الثاني، و1.5% للعارض الثالث فما فوق، مع تقليص مدة المنع التلقائي من إصدار الشيكات من عشر سنوات إلى خمس سنوات فقط في حال عدم التسوية.
وفي الجانب البنكي والتقني، حَمّل القانون المؤسسات البنكية مسؤولية كبرى في الوقاية من عوارض الأداء قبل وقوعها؛ حيث أصبحت الأبناك ملزمة قانوناً بإشعار صاحب الحساب بكل الوسائل المتاحة (رسائل نصية، تطبيقات بنكية، أو اتصال هاتفي) بوجود نقص في الرصيد، ومنحه مهلة خمسة أيام عمل قبل رفض الشيك رسمياً. كما أصبح “الأداء الجزئي” إجبارياً على البنك في حال طلب المستفيد ذلك؛ فإذا كان الشيك بمبلغ عشرة آلاف درهم والرصيد المتوفر هو أربعة آلاف فقط، يُلزم البنك بصرف المبلغ المتوفر وتأشير الشيك بالمبلغ المتبقي، وهو ما يقلص قيمة الدين ويخفف العبء الجنائي عن الساحب. ولتجنب ضياع الحقوق، أصبحت “شهادة رفض الأداء” المسلمة من البنك تعتبر بمثابة “سند تنفيذي” يغني الدائن عن اللجوء للمحاكم الموضوعية، حيث يمكنه التوجه مباشرة للمفوض القضائي لمباشرة إجراءات التنفيذ والحجز، مما يسرع عملية استرداد الأموال بشكل كبير.
ولتعزيز المنظومة الرقمية، تم إطلاق نظام “التحقق الفوري من الشيكات” الذي يفرض على الأبناك توفير منصة إلكترونية تتيح للتجار والشركات، عبر مسح رمز الشيك، التأكد من أن الحساب ليس موضوع منع أو إغلاق أو أن الشيك مصرح بضياعه، وهو ما سيسهم في تقليص عدد الشيكات المرتجعة بنسب قياسية. كما تم إقرار “الشيك غير قابل للتظهير” كخيار افتراضي لمنع تداوله بين أطراف متعددة وضمان وصوله للمستفيد الحقيقي فقط. ورغم كل هذه التسهيلات، ظل المشرع حازماً في حالات التزوير والتزييف، حيث أبقى على العقوبات الجنائية التي تصل إلى خمس سنوات سجناً، مع تجريم “شيك الضمان” بعقوبات حبسية وغرامات تعادل قيمة الشيك، لكن مع منح مرونة في التسوية التصالحية لهذه الحالات أيضاً إذا تم الأداء. إن هذا الانتقال الشامل في منظومة الشيك يهدف في كليته إلى تحويل الشيك من “وسيلة تهديد” إلى “وسيلة أداء” محصنة تقنياً ومرنة قضائياً، تضمن حق الدائن في المال وحق المدين في فرصة ثانية للتسوية بعيداً عن قضبان السجون.







