القصر الكبير | 04 فبراير 2026
تتسارع الأنفاس وتتجه الأنظار نحو حوض اللوكوس، حيث تعيش مدينة القصر الكبير في هذه اللحظات فصلاً مرعباً لم تدونه سجلاتها من قبل. فبينما اعتاد السكان على فيضانات موسمية “مألوفة” تاريخياً، إلا أن ما يحدث اليوم تجاوز حدود الطبيعة ليصبح قضية أمن قومي استدعت إخلاء المدينة وتحويلها إلى منطقة “شبه خالية” من البشر.
1. تجاوز الذاكرة التاريخية: لماذا هذا الفيضان مختلف؟
لطالما ارتبط اسم القصر الكبير بوادي اللوكوس، وشهدت المدينة كوارث طبيعية في سنوات ماضية (مثل فيضانات 2009 الشهيرة)، لكنها لم تصل أبداً إلى الدرجة التي تضطر فيها السلطات للمطالبة بإخلاء شامل.
في السابق، كان السكان يحتمون بالطوابق العليا وينتظرون انحسار المياه، لكن التهديد الحالي يحمل مؤشرات “كارثية” توحي بأن منسوب المياه قد يغمر المدينة بشكل غير مسبوق، مما يجعل البقاء في أي مكان داخلها مخاطرة محققة بالموت، وهو ما يفسر الرعب الذي دفع السلطات لاتخاذ قرار الإخلاء الجذري.
2. سد وادي المخازن: الصمام الذي تحول إلى تهديد
السبب الرئيسي خلف هذه الحالة الاستنفارية هو سد وادي المخازن، أكبر سدود المنطقة. فبعد وصول نسبة ملئه إلى 100%، أصبح السد في وضع حرج تقنياً، مما أجبر المسؤولين على فتح المفرغات المائية بصبيب هائل. هذا الضخ “المحكوم” تقنياً تحول إلى “طوفان” في مجرى وادي اللوكوس، الذي لم يعد قادراً على استيعاب كميات المياه القادمة من السد بالتزامن مع الأمطار الطوفانية التي لا تتوقف.
3. أحياء تحت الركام المائي وعزلة تامة
المناطق المنكوبة: غمرت المياه فعلياً أحياء “المرينة” و**”أولاد احميد”**، حيث وصل ارتفاع المياه في الشوارع إلى مستويات جعلت التنقل مستحيلاً إلا بالقوارب.
قطع الشرايين الحيوية: في خطوة احترازية كبرى، تم قطع التيار الكهربائي والماء والإنترنت عن كافة أرجاء المدينة، ليس فقط بسبب الأعطاب، بل لمنع وقوع حوادث صعق كهربائي أو انفجارات ناتجة عن تماس المياه مع التجهيزات الأرضية.
الحصار الجغرافي: تم إغلاق المداخل الرئيسية للمدينة (جهة الرباط وجهة العرائش) بعد أن قطعت المياه الطرق الوطنية، لتصبح القصر الكبير جزيرة معزولة وسط بحر من المياه.
4. الملحمة الميدانية: الجيش والسكك الحديدية في الصفوف الأولى
بناءً على التعليمات الملكية، انتشرت وحدات القوات المسلحة الملكية (FAR) بآلياتها الثقيلة وزوارقها، جنباً إلى جنب مع الدرك الملكي والوقاية المدنية، لانتشال العالقين.
ومن جانب آخر، لعب المكتب الوطني للسكك الحديدية (ONCF) دور “جسر النجاة”، حيث وفر قطارات مجانية مكثفة لنقل ما يقارب 50 ألف نازح نحو مراكز الإيواء في العرائش وطنجة، في مشهد إنساني مهيب يعكس تضامن الدولة في أوقات المحن.
5. الوضع الأمني: بيوت مهجورة تحت حراسة مشددة
رغم خلو الشوارع من سكانها، إلا أنها لم تخلُ من العيون الساهرة. فقد أصدرت المديرية العامة للأمن الوطني (DGSN) بيانات طمأنة تؤكد فيها أن قواتها مرابطة في كل زاوية لحماية ممتلكات المواطنين ومنازلهم من أي محاولة للسرقة أو النهب، مؤكدة أن القانون سيطبق بصرامة ضد أي مستغل لهذه الظروف الاستثنائية.
القصر الكبير اليوم ليست مجرد مدينة تعاني من الأمطار، بل هي مسرح لحدث تاريخي سيعاد ذكره للأجيال. إنها مدينة صامتة، مظلمة، ومحاصرة بالمياه، تنتظر ما ستسفر عنه الساعات القادمة، وسط آمال بأن تنحسر المياه وتعود الحياة للمدينة.







