
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تطل علينا في المغرب ظاهرة موسمية لا تخلو من مرارة؛ حيث تتحول قيم الإحسان من فعل ديني خالص يسعى لمرضاة الله، إلى ترسانة انتخابية تستهدف كسر إرادة الناخبين. إن إقحام العمل السياسي في عباءة العمل الخيري الموسمي ليس مجرد استغلال للمناسبات الدينية، بل هو في العمق اغتيال معنوي لمبدأ تكافؤ الفرص، وتشويه للمسار الديمقراطي الذي يطمح له المغاربة.
عندما يبرز المنتخب أو البرلماني في صورة المُحسن الكريم مستغلاً حاجة المواطن المقهور في شهر الصيام، فإنه يمارس عملية تزييف للوعي السياسي مكتملة الأركان. هنا تتحول العلاقة بين الناخب والمنتخب من علاقة تعاقدية مبنية على تدبير السياسات العمومية والمحاسبة، إلى علاقة منّة وعطاء تُفرغ المؤسسات الدستورية من محتواها. إن هذا السلوك يكرس صورة نمطية مهينة تجعل من القفة بديلاً عن البرنامج، ومن الصدقة وسيلة لإسكات المطالبة بالحقوق المشروعة.
ومن باب الأمانة في التحليل، وجب التأكيد على أن هذا السلوك الانتهازي لا يقتصر على لون سياسي دون آخر، بل هو داء عضال أصاب الجسد الحزبي بمختلف أطيافه؛ فمن اليمين إلى اليسار، ومن الأحزاب المحسوبة على التيار الإسلامي إلى تلك التي تتبنى المرجعية الليبرالية أو التقدمية، سقط الجميع في فخ الإحسان الانتخابي. إنها مفارقة غريبة أن تجتمع هذه التوجهات المتناقضة فكرياً على وسيلة واحدة، وهي استغلال حاجة المواطن المغربي البسيط، مما يؤكد أن الأزمة ليست في الأيديولوجيا بقدر ما هي في الأخلاق السياسية وفي بنية تنظيمية تفضل الربح الانتخابي السريع على بناء المواطن الواعي والمستقل.
ومن موقعي كصحفي مقيم في الديار الإيطالية أجد بوناً شاسعاً بين مفهوم الدولة الاجتماعية الحقيقية التي تضمن الحقوق كمكتسبات قانونية دائمة (صحة، تعليم، دعم اجتماعي مؤسساتي)، وبين هذه الموسمية السياسية التي نراها في بعض الممارسات بالمغرب. في أوروبا، يُنظر إلى الدعم الاجتماعي كحق أصيل للمواطن وواجب مقدس على الدولة، بينما يُراد للمواطن المغربي أن يشعر بأنه مدين بلقمته لفلان أو علان، وهو ما يتنافى مع كرامة الإنسان التي كفلها الدستور والمواثيق الدولية.
وهنا، لا بد أن نستحضر التوجيهات الملكية السامية التي كانت دائماً صريحة في وضع الإصبع على الداء؛ فقد أكد جلالة الملك محمد السادس في خطاباته أن المواطن هو المسؤول عن اختياره، داعياً إلى تحكيم الضمير بعيداً عن الإغراءات الظرفية. إن جلالته حفظه الله حينما شدد على ضرورة اختيار الأكفاء والنزهاء، كان يضع المغاربة أمام مسؤوليتهم التاريخية: أن صندوق الاقتراع هو الوسيلة الوحيدة لقطع الطريق على المفسدين والانتهازيين الذين يظهرون فقط في المواسم. فمن يبيع صوته اليوم بـقفة، لا يملك الحق غداً في الشكوى من سوء التدبير؛ لأن الإفساد الانتخابي هو الأب الشرعي للفساد السياسي والإداري.
إنني من منبر الغربة، أتوجه بنصيحة صادقة وأخوية لأبناء وطني: تعلموا الدرس القاسي من سنوات خلت. لقد رأينا كيف تم استغلال البعض للتصويت بمقابل زهيد لا يتجاوز 200 درهم، فكانت النتيجة تراجعاً حقوقياً وضياعاً للفرص لسنوات طوال. إن هذا السلوك الانتهازي يقصي الكفاءات والنخب الشابة التي تمتلك الرؤية والمشروع لكنها لا تملك الترسانة المالية للمنافسة، مما يجعل الصندوق رهيناً لمن يملك القدرة على الإطعام لا لمن يملك القدرة على الإقناع.
إن تحويل شهر الصيام إلى موسم انتخابي سابق لأوانه هو تدمير بطيء للثقة في الأحزاب، واعتداء على قدسية الشهر الفضيل. إننا بحاجة إلى ثورة وعي تجعل المواطن المغربي يفرق بين المحسن الصادق الذي لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وبين السياسي المقنّع الذي يتاجر بآلام الناس. لعل الله يصلح بوعي المغاربة ما أفسده الانتهازيون، لنصل إلى مغرب الكرامة والعدالة الاجتماعية الحقيقية، لا مغرب القفف والمناسبات.
الله يصلح حالنا.







