
نشأت البوذية في القرن السادس قبل الميلاد في منطقة لومبيني الواقعة في نيبال الحالية، على يد الأمير سيدهارتا غوتاما الذي نشأ في ترف القصر، لكنه صُدم بمظاهر الشيخوخة والمرض والموت، مما دفعه في سن التاسعة والعشرين إلى هجر حياته الملكية بحثاً عن الحقيقة. بعد سنوات من الزهد والتقشف وممارسة التأمل تحت شجرة “بودي”، وصل إلى حالة “التنوير” المطلق، ليصبح منذ تلك اللحظة “بوذا” أو “المستنير”. قضى بوذا بقية حياته في الترحال لتعليم منهجه القائم على “الطريق الوسط” بين الانغماس في الملذات والتقشف القاسي، مؤسساً بذلك فلسفة تركز على إنهاء المعاناة الإنسانية.
تتمحور جوهر هذه التعاليم حول “الحقائق النبيلة الأربع” التي تشخص أن المعاناة جزء أصيل من الحياة، وأن سببها الرئيسي هو “التعلق” والشهوات، وأن التحرر منها ممكن عبر اتباع “الطريق الثماني النبيل”. هذا الطريق يمثل منهجاً عملياً يشمل الحكمة (الفهم والتفكير الصحيح) والسلوك الأخلاقي (الكلام والعمل والعيش الصحيح) والتركيز الذهني (الجهد والوعي والتركيز الصحيح). وتتعمق البوذية في فهم الوجود عبر مفهوم “الأناتا” أو “لا-ذات”، حيث تنفي وجود روح ثابتة للإنسان، وتراه تجمعاً لخمس طاقات متغيرة هي الجسد والمشاعر والإدراك والميول العقلية والوعي. كما تطرح مفهوم “الخلاء” الذي يعني أن كل شيء في الكون مترابط ويفتقر لكيان مستقل، ومفهوم “عدم الدوام” الذي يؤكد أن كل شيء في حالة تغير لحظي.
ترجمت هذه الفلسفة إلى نظام مؤسسي صارم عرف بـ “السانغا” أو المجتمع الرهباني، حيث يلتزم الرهبان بقواعد “الفينايا” التي تفرض حياة الزهد التام، معتمدين على الصدقات في غذائهم ولا يملكون سوى مقتنيات بسيطة جداً. وقد دُونت هذه التعاليم في “التريبتاكا” أو “السلال الثلاث”، وهي سلة الانضباط لقواعد الرهبنة، وسلة الخطب التي تضم أحاديث بوذا، وسلة الميتافيزيقيا التي تحلل النفس والكون تحليلاً دقيقاً. ومع مرور الزمن، انقسمت البوذية إلى مدارس كبرى، منها “الثرابادا” المحافظة المنتشرة في سريلانكا وتايلاند، و”الماهايانا” التي تركز على كائنات “البوديساتفا” وتنتشر في الصين واليابان، و”الفاجرايانا” أو البوذية التبتية التي يقودها الدالاي لاما وتشتهر بطقوسها المعقدة ومفهوم “الباردو” الذي يصف الحالة الانتقالية للعقل بين الموت والولادة الجديدة.
تتوطن البوذية اليوم في مساحات جغرافية واسعة تشمل كمبوديا ولاوس وميانمار وبوتان بالإضافة إلى حضورها القوي في التبت ومنغوليا وكوريا. ومن أبرز رجالها تاريخياً، إلى جانب المؤسس، الإمبراطور أشوكا الذي نشرها في بقاع الأرض، وبودهيدهارما الذي نقل مدرسة “الزن” إلى الصين. ويحتفل البوذيون حول العالم بعيد “الفيسـاك” كأهم مناسباتهم، حيث يحيون ذكرى ميلاد بوذا وتنويره ووفاته. وتظهر رموزهم كعجلة الدارما وزهرة اللوتس والماندالا الرملية لتعبر عن فلسفتهم في النقاء والارتقاء. واليوم، لم تعد البوذية مجرد طقوس دينية، بل تداخلت مع العلوم الحديثة كعلم الأعصاب وعلم النفس، حيث تدرس تقنيات “اليقظة الذهنية” كأدوات فعالة لتحسين الصحة العقلية وتغيير بنية الدماغ، مما جعلها فلسفة عالمية تخاطب جوهر العقل البشري بعيداً عن حدود الجغرافيا.
أما بخصوص الجدل حول تصنيف البوذية، فيمكن اعتبارها فلسفة وليست ديانة بالمعنى التقليدي لدى البعض، نظراً لغياب فكرة الإله الخالق فيها وتركيزها المطلق على العقل والمنطق والتجربة الذاتية، حيث دعا بوذا أتباعه لاختبار تعاليمه لا تصديقها لمجرد التبجيل، فهي تعمل كمنظومة نفسية تهدف لحل مشكلة المعاناة عبر تغيير الوعي؛ وفي المقابل، يصر آخرون على كونها ديانة لوجود مفاهيم ميتافيزيقية غيبية كالكارما والتناسخ، وامتلاكها نظاماً رهبانياً وطقوساً تعبدية تهدف للخلاص الروحي والوصول إلى النيرفانا، مما يجعلها في نهاية المطاف فلسفة روحية أو ديناً غير تألهي يجمع بين عمق التحليل الفلسفي وحميمية الممارسة الدينية.







