مال و أعمال

المغرب في ميزان أليانز تريد 2026: مرونة اقتصادية وتحديات هيكلية في سوق واعدة

​في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة التي يشهدها عام 2026، يبرز التقرير السنوي لمؤسسة “أليانز تريد” (Allianz Trade) كبوصلة دقيقة للمستثمرين والفاعلين الاقتصاديين الراغبين في فهم المشهد المالي في المملكة المغربية، حيث يعكس هذا التقرير حالة من التوازن الدقيق بين مؤشرات النمو الطموحة وبين تحديات لوجستية وقانونية تفرض نفسها على أرض الواقع. ومن خلال فحص البيانات المسجلة، نجد أن المغرب استطاع تثبيت تصنيفه ضمن فئة المخاطر المتوسطة والمستقرة (B1)، وهو تصنيف يضعه في صدارة الاقتصادات الإفريقية الأكثر موثوقية، مدعوماً في ذلك باستراتيجية وطنية ناجحة نجحت في تحويل المملكة إلى قطب صناعي عالمي، خاصة في قطاعات صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة. هذا الاستقرار لا يأتي من فراغ، بل هو نتاج لسياسة نقدية حذرة وتوقعات بنمو اقتصادي يصل إلى 3.7% خلال هذا العام، مع قدرة لافتة على كبح جماح التضخم الذي استقر عند مستويات منخفضة تقارب 1.0%، مما يوفر بيئة ماكرو-اقتصادية محفزة للاستثمار الأجنبي المباشر. ومع ذلك، فإن هذه الصورة المشرقة لا تخلو من ظلال قاتمة يشير إليها التقرير بوضوح، لا سيما فيما يتعلق بمؤشر تعقيد تحصيل الديون التجارية، حيث لا يزال المغرب يصنف ضمن فئة المخاطر المرتفعة جداً في هذا المجال بنتيجة 56 نقطة من أصل 100، متجاوزاً بذلك المتوسط العالمي؛ ويرجع ذلك أساساً إلى طول آجال الأداء التي تتراوح في كثير من القطاعات بين 90 و120 يوماً، بالإضافة إلى بطء المساطر القضائية المتعلقة بتنفيذ الأحكام المالية، وهو ما يضع ضغوطاً كبيرة على الخزينة الخاصة بالشركات الصغرى والمتوسطة. وفي سياق متصل، يشير التقرير إلى أن عام 2026 يمثل مرحلة “الاستقرار الحذر” بعد الموجة العالية من إفلاس الشركات التي شهدها عام 2025، حيث يتوقع أن تنخفض وتيرة حالات الإعسار بنسبة طفيفة تبلغ 1%، مما يعطي إشارة إلى أن المقاولات المغربية بدأت تتكيف مع ضغوط التمويل والطلب الداخلي. وبينما يستفيد المغرب من زخمه الرياضي والسياحي المرتبط بتنظيم تظاهرات كبرى مثل كأس أمم إفريقيا 2026، تظل هناك مخاطر هيكلية لا تغفلها “أليانز تريد”، وعلى رأسها شبح الإجهاد المائي الذي يهدد استمرارية النمو في القطاع الفلاحي، إضافة إلى معضلة البطالة بين الشباب التي تظل نقطة ضعف في النسيج الاجتماعي والاقتصادي. إن القراءة المتأنية لهذا التصنيف تخلص إلى أن المغرب يظل وجهة استراتيجية جذابة بفضل استقراره السياسي وانفتاحه الاقتصادي، لكن النجاح في هذا السوق يتطلب من الفاعلين اعتماد سياسات ائتمانية صارمة وفهم دقيق لخصوصيات التحصيل المالي المحلي لضمان استدامة الأعمال وتجنب مخاطر السيولة في بيئة تتسم بالتنافسية العالية والتحولات المستمرة.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا